الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بعد اكتشاف "دينيز دبليو 1".. ما التحولات التي شهدها قطاع الطاقة في مصر؟

  • مشاركة :
post-title
قطاع الطاقة في مصر - تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

يأتي اكتشاف حقل الغاز الطبيعي "دينيز دبليو 1" قُبالة سواحل البحر المتوسط، 7 أبريل الجاري، بمثانة نقلة نوعية في ملف الطاقة المصري، فالدولة المصرية توجه الكثير من الاهتمام نحو هذا الملف، لتحقيق الاكتفاء الذاتي منه، وتحقيق النمو الاقتصادي، فقطاع النفط والغاز يُسهم بنسبة 7% في الناتج المحلي الإجمالي.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى قراءة مؤشرات قطاع الطاقة في مصر، إضافة إلى توضيح تحدياته وخطط الدولة المصرية لتطويره.

مؤشرات القطاع

يُمكن التعرف على مؤشرات قطاع الطاقة المصري، من خلال مجموعة من النقاط الرئيسية التي يتم توضيحها فيما يلي:

(-) حجم الاستهلاك: تعتبر الدولة المصرية دولة استهلاكية للطاقة، نظرًا للزيادة السكانية، إذ يبلغ الطلب المحلي على الغاز الطبيعي نحو 6.2 مليار قدم مكعب، ويرتفع إلى 7.2 مليار قدم، خلال أشهر الصيف، لهذا تقوم الدولة بجميع الإجراءات التي تعمل على زيادة إنتاج الغاز الطبيعي بشكل يتناسب مع الطلب المحلي، فالإنتاج يُغطي نحو 70% من الاحتياجات الفعلية.

ومن حيث استهلاك النفط الخام فإنه يُقدر بنحو 953.19 ألف برميل يوميًا، أي أن مصر تحتل المرتبة الـ23 عالميًا في استهلاك النفط.

(-) حجم الإنتاج: شهد إنتاج مصر من النفط والغاز تقلبات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، فقد انخفض إنتاج الغاز الطبيعي من 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا عام 2021 إلى 4.02 مليار قدم مكعب يوميًا يونيو 2025، لكن مع اكتشاف حقل الغاز "دينيز دبليو1" 7 أبريل الجاري، فإن إنتاج الغاز الطبيعي سيرتفع بمقدار تريليوني قدم مكعب، إضافة إلى 130 مليون برميل من المُكثفات.

الشكل (1) يوضح حجم إنتاج النفط الخام في مصر خلال عام 2025- المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية

ومن ناحية إنتاج النفط، ارتفع من 514 ألف برميل يوميًا يناير 2025 إلى 519 ألف برميل يوميًا ديسمبر 2025، أي ارتفع بنسبة 0.97%، وخلال هذه الفترة كانت أدنى قيمة للإنتاج يوليو 2025، إذ بلغ حجم الإنتاج نحو 486 برميل يوميًا، وانخفض هذا الإنتاج عن مستواه عام 2024، الذي بلغ فيه نحو 638.9 ألف برميل يوميًا.

ومن الجدير بالذكر هنا أن متوسط إنتاج النفط الخام في مصر بلغ 674.23 ألف برميل، خلال الفترة من 1994 إلى 2025، مُسجلًا أعلى مستوى له على الإطلاق عند 930 ألف برميل يوميًا نوفمبر 1996، وأدنى مستوى له عند 486 ألف برميل يوميًا يوليو 2025.

(-) حجم الواردات: نتيجة ارتفاع الطلب المحلي بالنسبة لحجم المعروض من الطاقة، قامت الدولة المصرية بسد هذه الفجوة من خلال الاستيراد، فقد استوردت مصر نحو 9.01 مليون طن متري من الغاز الطبيعي عام 2025، أي ما يُعادل نحو 129 شحنة، وفقًا لبيانات بلاتس، التابعة لشبكة إس آند بي جلوبال إنيرجي، إضافة إلى ذلك بلغت واردات النفط في النصف الأول من العام المالي 2024/2025 نحو 9.7 مليار دولار.

(-) حجم الاحتياطي: يُمثل حجم الاحتياطي العرض الفعلي والمتاح للدولة المصرية من الطاقة، الذي يُبنى عليه جميع خطط الاستكشاف، وبالتالي يبلغ احتياطي مصر المؤكد من النفط الخام نحو 3.3 مليار برميل، ومن هنا تحتل المرتبة الـ26 في العالم، وتُمثل نحو 0.19% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية البالغة نحو 1.76 تريليون برميل.

كما تمتلك مصر احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي تُقدر بنحو 77.2 تريليون قدم مكعب، وبالتالي هي ضمن أفضل 20 دولة في العالم، والرابعة في إفريقيا، وتقع هذه الاحتياطيات "نحو 87%" في البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى إنتاج رئيسي من دلتا النيل والصحراء الغربية.

تحديات القطاع

يُمكن بلورة تحديات قطاع الطاقة في مصر من خلال النقاط التالية:

(-) فجوة العرض والطلب: بين تحليل مؤشرات قطاع الطاقة في مصر الذي تم تناوله، أن هناك فجوة بين الطلب والعرض على منتجات الطاقة، الأمر الذي يرجع بشكل أساسي إلى الزيادة السكانية، إذ يتجاوز 108 ملايين نسمة وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الأمر الذي تُغطيه الدولة من خلال الواردات، ما يؤثر على عجز الميزان التجاري، فمن الجدول (1) يتضح أن الفجوة في النفط تُقدر بنحو 278.96 ألف برميل يوميًا، بينما فجوة الغاز الطبيعي تُقدر بنحو 2.18 مليار قدم مكعب.

الجدول (1): الفجوة بين العرض والطلب في النفط والغاز بمصر

(-) الحاجة إلى استثمارات ضخمة: قطاع الطاقة يحتاج إلى استثمارات أوليّة ضخمة، فمصر تعتزم استثمار نحو 60 مليار دولار حتى نهاية العقد الحالي، لإضافة نحو 23 جيجاوات من الكهرباء معظمها من مصادر الطاقة المتجددة، كما أن مصر تطمح في جذب استثمارات محلية وأجنبية بقيمة 100 مليار جنيه، خلال عامين في مشروعات للطاقة المتجددة.

فالحكومة خصصت نحو 136.3 مليار جنيه لقطاع الكهرباء والطاقة المتجددة في سنة واحدة فقط (العام المالي 2025-2026)، مقارنة باستثمارات مُستهدفة بقيمة 72.6 مليار جنيه في العام السابق، الأمر الذي يوضح أن قطاع الطاقة في مصر من أكثر القطاعات التي تحتاج إلى رأس مال ضخم.

(-) معوقات التحول نحو الطاقة المتجددة: إن التحول إلى الطاقة المتجددة بنسبة كبيرة يواجه بعض المعوقات، التي تتمثل في نقص الكوادر الفنية المتخصصة التي تمتلك خبرة في التقنيات الحديثة، ضعف البنية التحتية لشبكات الكهرباء، فالشبكات الحالية لم تصمم لاستيعاب نسبة كبيرة من الطاقة المتجددة، ما يتطلب استمارات في الشبكات الذكية، بُعد أماكن الإنتاج عن أماكن الاستهلاك، فمشروعات الطاقة الشمسية تتركز في الصحراء الغربية والشرقية، أي بعيدة عن المدن، ما يتطلب خطوط نقل طويلة.

(-) التأثر بالتوترات العالمية: إن الأحداث التي نشبت الفترة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط أوضحت أن قطاع الطاقة يتأثر بشكل كبير بالتوترات الجيوسياسية، إذ إنها تؤثر على حركة شحن النفط والغاز، خاصة أنه ما زال هناك اعتماد مصري على الواردات من النفط والغاز، لتغطية الفجوة القائمة وتلبية احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي تحاول الدولة المصرية تخفيفه من خلال زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج من خلال السياسات والخطط المختلفة.

سياسات تطويرية

تقوم الدولة المصرية بالعديد من السياسات التي تُعزز قطاع الطاقة لديها، ومن هذه الإستراتيجيات ما يلي:

(-) دعم الاكتشافات: تعمل مصر على دعم عمليات الكشف عن الطاقة، خلال الفترة بين يوليو 2024 إلى نوفمبر 2025، سجل قطاع النفط المصري نحو 75 اكتشافًا جديدًا للنفط والغاز، ودخلت 383 بئرًا جديدة حيز الإنتاج، ويُمثل الشكل (2) بعض هذه الاكتشافات، إذ أضافت نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي، و200 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، ما عزز الإنتاج المحلي لمصر من الطاقة، وأسهمت هذه الإنجازات في توفير ما يُقدر بنحو 6.7 مليار دولار من تكاليف الاستيراد.

الشكل (2): أهم اكتشافات النفط والغاز الطبيعي في مصر

وبوضع الخطط المستقبلية، فالقطاع خطط لحفر نحو 115 بئر استكشافية جديدة عام 2026، للحفاظ على مستوى الإنتاج، وفبراير 2025 وافقت وزارة البترول والثروة المعدنية على 28 اتفاقية جديدة للاستكشاف والإنتاج بقيمة لا تقل عن 1.2 مليار دولار، وفقًا لوزارة البترول والثروة المعدنية، إذ تهدف مصر إلى رفع إنتاج الغاز إلى أن يتراوح بين 6.4 إلى 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا، خلال السنوات الخمس المُقبلة، بدعم من استثمارات جديدة من شركاء بقيمة 13 مليار دولار.

وفي عام 2026 الجاري تخطط الدولة المصرية لحفر 14 بئرًا استكشافية في البحر المتوسط، لتقييم احتياطيات تُقدر بنحو 12 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

(-) توطين الطاقة المتجددة: تضع الدولة المصرية هدفًا بأن تُشكل الطاقة المتجددة نحو 42% من القدرة الإجمالية للشبكة القومية للكهرباء بحلول عام 2030، بواقع 22% من الطاقة الشمسية، و14% من طاقة الرياح، و4% من المركزات الشمسية، و2% للطاقة المائية، على أن تصل هذه النسبة إلى 65% بحلول عام 2040، مُستفيدة من مواردها الوفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، والتقنيات الناشئة مثل الهيدروجين الأخضر، ولدعم هذا التحول تعاقدت المفوضية الأوروبية مع شركة كووتر الدولية، لمراجعة إستراتيجية مزيج الطاقة في مصر، وإدخال المزيد من مصادر الطاقة المتجددة.

ومن المتوقع أن ينمو سوق الطاقة المتجددة في مصر من نحو 9.81 جيجاوات عام 2025 إلى 11.79 جيجاوات عام 2026، وإلى ما يقارب نحو 29.64 جيجاوات بحلول عام 2031، بفضل السياسات الحكومية الداعمة والاستثمارات في مشروعات الطاقة المتجددة مثل الرياح والشمسية، ومن هذه الاستثمارات ما يلي:

(*) مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح: مارس 2026 وقّع رئيس الوزراء المصري عددًا من اتفاقيات شراء الطاقة المتجددة، وإقامة محطات مستقلة، لتخزين الطاقة الكهربائية باستخدام تقنية البطاريات بإجمالي قدرات تصل إلى 5620 ميجاوات، وجاءت الاتفاقية الأولى بشأن حق الانتفاع بالأرض لمشروع طاقة الرياح برأس شقير بقدر 900 ميجاوات، الذي سيتم تطويره من خلال تحالف شركات (أوراسكوم للإنشاء، إنجي الفرنسية، أليوس اليابانية"تويوتا").

أما الاتفاقية الثانية تعلقت بشراء الطاقة لمشروع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بقدرة 900 ميجاوات، بينما تتعلق الاتفاقية الثالثة بشأن شراء الطاقة لعدد من المشروعات المختلفة (مشروع طاقة شمسية بقدرة ألفي ميجاوات بنجع حمادي، مشروع محطة تخزين بطاريات مستقلة بقدرة ألفي ميجاوات/ ساعة، ومشروع طاقة شمسية بقدرة 320 ميجاوات بالعوينات، ومشروع طاقة شمسية بقدرة 400 ميجاوات بالعوينات).

وبجانب هذه الاتفاقيات، تأتي محطة "أبيدوس 2" للطاقة الشمسية بقدرة 1 جيجا وات، المزودة بنظام بطاريات متكامل بسعة 600 ميجاوات / ساعة، فمن المتوقع أن تولد أكثر من 3 ملايين ميجاوات / ساعة سنويًا.

(*) مشروعات الهيدروجين الأخضر: تعتبر الدولة المصرية رائدة في توطين الهيدروجين الأخضر في مزيج الطاقة الخاص بها، إذ تستهدف 8.5% من السوق العالمية بحلول عام 2040، وتتركز معظم مشروعات الهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالعين السخنة، منها تحالف سكاتك وفيرتيجلوب، الذي بدأ إنتاجًا جزئيًا للأمونيا الخضراء، ما جعل مصر تتصدر عدد مشروعات الهيدروجين الأخضر في المنطقة بـ39 مشروعًا.

(*) مشروعات الطاقة النووية: تُعتبر محطة الضبعة للطاقة النووية نواة توطين هذه الطاقة في مصر، إذ تتوقع مصر إضافة الطاقة النووية إلى مزيجها بدءًا من عام 2028، مع بدء تشغيل أول مفاعل من أصل أربعة مفاعلات بقدرة 1.2 جيجا وات في محطة الضبعة للطاقة النووية، التي تبلغ تكلفتها 21 مليار دولار، ومن المتوقع تشغيل المفاعلات الثلاثة المتبقية بحلول عامي 2029-2030، الأمر الذي يضع أساس إسهامات الطاقة النووية في مزيج الطاقة المصري.

في النهاية يُمكن القول إن قطاع الطاقة في مصر يشهد تحولًا إيجابيًا مدفوعًا بإصلاحات هيكلية واستثمارية متزايدة، رغم التحديات المرتبطة بالتمويل والبنية التحتية، إذ تُسهم الاكتشافات الحديثة للغاز الطبيعي والنفط في تعزيز أمن الطاقة وتقليل فجوة الطلب، إلى جانب التوسع الملحوظ في مشروعات الطاقة المتجددة، خاصة الشمسية والرياح والنووية.

كما تدعم توجهات الدولة نحو الهيدروجين الأخضر وتنويع مزيج الطاقة فرص النمو المستدام، وبفضل السياسات المرنة يمتلك القطاع مقومات القوية، لتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة، بما يدعم التنمية الاقتصادية ويُحقق التوازن بين الاستدامة وأمن الإمدادات.