جاء اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، دون استشارة إسرائيلية، كخطوة لاحتواء الانفجار الذي أوشك على إشعال الشرق الأوسط، لكن التغطيات في وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية كشفت سريعًا عن تباين حاد في تفسير هذه الخطوة بين واشنطن وتل أبيب.
وترى تحليلات غربية أن نتائج الحرب والهدنة معًا لا تمثل انتصارًا حاسمًا لأي طرف، بل تعكس حدود القوة العسكرية، حيث إنها لم تحقق أهداف الولايات المتحدة أو إسرائيل الاستراتيجية، بينما إيران خرجت منها دون انهيار نظامها أو برنامجها النووي حتى الآن.
كما كشفت التغطيات المتباينة عن فجوة في تعريف "الخطر"، حيث يرى الإعلام الأمريكي الاتفاق أداة لاحتواء التصعيد وربما كسب الوقت، بينما الإعلام الإسرائيلي يتعامل معه كـمخاطرة استراتيجية تؤجل المواجهة الحتمية. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن وقف إطلاق النار ليس سوى مرحلة انتقالية في صراع مفتوح، أكثر منه نهاية لمسار التصعيد.
في المقابل، جاءت السردية الإعلامية الإيرانية لتعزز صورة الانتصار وكسر الهيمنة الغربية، وتشيد بوكلاء إيران في المنطقة باعتبارهم "محور المقاومة" الذي أجبر الأعداء الصهاينة والأمريكان على التراجع.
هدنة لتجنب الأسوأ
وصفت بعض وسائل الإعلام الأمريكية مثل "واشنطن بوست" الاتفاق بوصفه تجميدًا مؤقتًا للصراع وليس نهاية له، وأن الأمر يبدو أقرب إلى وقف اضطراري لإطلاق النار، وليس تسوية دائمة يمكن البناء عليها، مشيرة إلى طبيعته غير المستقرة، لافتة إلى أن "اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين جاء بعد ستة أسابيع من القتال المكثف، لكن المؤشرات على الأرض -من استمرار الضربات وتعطل الملاحة- تعكس هشاشة الهدنة".
كما أبرزت التغطية أن الاتفاق جاء في سياق ضغوط اقتصادية وسياسية داخلية، خاصة مع تأثير الحرب على أسعار النفط وتراجع شعبية الإدارة الأمريكية.
وفي سياق موازٍ، نقلت تصريحات رسمية أمريكية نبرة مختلفة تميل إلى تصوير الاتفاق كـ"إنجاز عسكري"، حيث قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث إن "إيران توسلت من أجل وقف إطلاق النار بعد تدمير واسع لقدراتها العسكرية"، لكن هذا الخطاب الرسمي لم ينعكس بالكامل في التحليلات الصحفية، التي ظلت أكثر حذرًا، معتبرة أن القضايا الجوهرية، خاصة البرنامج النووي الإيراني، لا تزال دون حل.
أيضًا، أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الاتفاق يمثل محاولة لاحتواء التصعيد، مع التحذير من محدودية تأثيره، حيث لفتت إلى أن "الاتفاق لا يعالج جذور الصراع، بل يؤجل انفجاره، في وقت تسعى فيه الأطراف إلى تجنب حرب أوسع".
وفي سياق أكثر تحفظًا، رأت "وول ستريت جورنال" أن الاتفاق قد يحمل مخاطر غير مباشرة، إذ أشارت إلى أن "مثل هذه التفاهمات تمنح إيران مساحة لإعادة التموضع، دون تقديم ضمانات واضحة بشأن سلوكها المستقبلي".
أما تغطية شبكة Fox News، المعروفة بتأييدها للرئيس دونالد ترامب، فقد اعتمدت على إطار تفسيري قائم على الردع والانتصار أكثر من التهدئة، حيث أشارت إلى أن الاتفاق ليس تهدئة بل نتيجة مباشرة للـتفوق والهيمنة العسكرية الأمريكية، وإجبار إيران على التراجع.
واعتمدت تغطية الشبكة اليمينية مفردات القوة بدل الدبلوماسية، حيث تُقدم إيران كطرف تراجع تحت الضغط، مع التركيز على الخسائر العسكرية أو "الضربات الرادعة"، وترى أن الإدارة الأمريكية حين تستخدم القوة تنجح، بينما إذا اتجهت للدبلوماسية فقط فهو ضعف. وأن الاتفاق مقبول لأنه جاء بعد ضغط عسكري، وليس لأنه إنجاز دبلوماسي.
ليست نهاية الحرب
عكست التغطية الإسرائيلية حالة من الشك العميق تجاه الاتفاق. فقد نقلت وسائل إعلام عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده أن التهدئة مؤقتة، حيث قال إن "إسرائيل تضع إصبعها على الزناد ومستعدة لاستئناف القتال"، وأن إسرائيل وافقت على التهدئة بشروط، مع استمرار عملياتها خارج نطاق الاتفاق، خاصة في لبنان.
تعكس هذه التغطية تصورًا واضحًا في تل أبيب بأن الاتفاق لا يعالج التهديدات الأساسية، بل يتركها قائمة وربما يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب قدراتها.
في تحليلها للتطورات، أشارت صحيفة "هآرتس" إلى أن النخبة السياسية والأمنية في إسرائيل لا ترى الاتفاق كحل مستقر، بل كـمرحلة مؤقتة في صراع مفتوح. ونقلت عن مصادر دبلوماسية تقديرها -وربما آمالها- أن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران قد تنهار دون اتفاق، كما أبرزت أن القبول الإسرائيلي بالتهدئة جاء تكتيكيًا وليس استراتيجيًا، في ظل استمرار الاستعداد لعمليات أوسع.
وأشارت الصحيفة إلى أن "وقف إطلاق النار قد يكون خبرًا جيدًا على المدى القصير، لكنه يمنح إيران الوقت الذي تحتاجه لتعزيز قدراتها".
وفي تغطية لاحقة، ربطت الصحيفة الاتفاق بمبادرة إيرانية من 10 نقاط، معتبرة أنها "تشكل أساسًا قابلًا للتفاوض، لا أكثر"، وهو توصيف يعكس حذرًا واضحًا من تحويل التهدئة إلى تسوية طويلة الأمد.
أما في تغطية "جيروزاليم بوست"، جاء الخطاب أكثر مباشرة، حيث نقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي رفيع في البداية توقعاته بعدم التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، وهو ما عكس العقلية السائدة داخل أروقة السياسة الإسرائيلية التي اعتادت أن تشكك في نوايا إيران.
كما ركّزت تحليلات الصحيفة على أن الهدف الأمريكي، بحسب مسؤولين، هو "منع إيران من الشعور بأي انتصار"، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على استمرار الضغط العسكري حتى أثناء التهدئة. كما رأت أن "الاتفاق يفرض قيودًا غير مباشرة على إسرائيل، بينما يترك التهديد الإيراني قائمًا دون معالجة حقيقية".
أيضًا، فقد ركزت تغطية صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، على ما تراه البُعد الاستراتيجي الأوسع، مشيرة إلى أن "أي تهدئة لا تشمل تفكيك أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، ستظل مجرد استراحة تكتيكية".
وتعكس تغطيات أخرى وجود انقسام داخل المجتمع الإسرائيلي حول كيفية إنهاء الحرب، حيث إن نسبة محدودة فقط تؤيد التوصل السريع إلى وقف إطلاق النار، وهو ما يعكس خوفًا من أن تتحول الهدنة إلى ما تراه تل أبيب "تنازل استراتيجي".
صمود فرض التهدئة
على عكس الحليفين، جاءت تغطية الإعلام الإيراني، التي نشرتها وكالة "تسنيم" شبه الرسمية وشبكة برس تي في وإرنا، لتقوم بإعادة تعريف الاتفاق كنصر سياسي وعسكري لطهران، حيث اهتمت سرديتها بتوضيح أن طهران لم تتراجع، بل فرضت معادلتها الخاصة.
قدّم الإعلام الإيراني الاتفاق باعتباره نتيجة صمود القيادة والشعب، وفشل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وأن وقف إطلاق النار جاء كنصر للمقاومة، وأن إيران أجبرت الآخرين على التراجع، مع إبراز مفردات السيادة والكرامة، مثل الثبات والرد الحاسم وإفشال المخططات الصهيو- أمريكية، وفرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط.
كما أبرز الإعلام الإيراني صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى تراجعت تحت الضغط، وأن واشنطن فشلت في تحقيق أهدافها واضطرت للقبول بوقف إطلاق النار، وأن الردع الأمريكي لم يعد مطلقًا.
وباعتباره خطابًا تعبويًا، تجاهل الإعلام الإيراني الخسائر العسكرية والاقتصادية أو تعمد تقليلها، مع التركيز على النجاحات من أجل تثبيت صورة النصر داخليًا وإقليميًا، مع تعزيز "محور المقاومة" لوكلاء طهران في المنطقة، والإشارة إلى أن الاتفاق يعزز موقع إيران في المنطقة، وأن حلفاءها، مثل حزب الله في لبنان أو جماعة الحوثي في اليمن، صارت جزءًا من معادلة الردع. وذلك في مقابل الخطاب الإسرائيلي الذي يرى نفس النقطة كتهديد خطير على تل أبيب ومشروعها.