لساعات طويلة بدت وكأنها بلا نهاية، حبس العالم أنفاسه من تهديد كارثي بتدمير حضارة بأكملها. لكن بعد 12 ساعة، انتهى الأمر بوقف إطلاق النار، الذي احتفل به كل طرف باعتباره نصرًا عظيمًا لبلاده، وقوبل بارتياح من معظم دول العالم.
كان العد التنازلي لنهاية مهلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، وإلا ستواجه قصفًا يعيدها إلى العصور الحجرية، أمرًا مثيرًا للقلق، ما دفع إلى التحذير من احتمال ارتكاب جرائم حرب. وقبل 90 دقيقة فقط من الموعد النهائي، أعلن ترامب وقفًا مفاجئًا للأعمال العدائية، شريطة "إعادة فتح المضيق بشكل كامل وفوري وآمن".
وفيما قال ترامب إن القادة الباكستانيين قدموا له خطة من عشر نقاط من إيران، تُعدّ "أساسًا عمليًا للتفاوض"، أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي أن المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، أمر جيشه بالتراجع. بدأ وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لكن ليس بالنسبة لشعب لبنان، الذي أعلنت إسرائيل استثناءه من الاتفاق، على الرغم من إدراجه في الإطار الإيراني.
ووفق تحليل لصحيفة "ذا تايمز"، كان هذا مجرد عقبة واحدة منفصلة ضمن الإطار الذي وصفه ترامب بأنه "قابل للتطبيق"، على الرغم من احتوائه على العديد من الشروط الإيرانية المحددة التي رفضها خلال المفاوضات التي كانت جارية عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم الأول على إيران.
اتفاق وخلاف
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن النقطة الأكثر إلحاحًا تكمن في مضيق هرمز، الذي لم تغلقه إيران قبل النزاع، الذي كان سيظل مفتوحًا لولا اندلاع الحرب. حيث ترغب طهران في الحفاظ على سيطرتها العسكرية على الممر المائي خلال فترة وقف إطلاق النار التي تستمر أسبوعين، وعلى المدى الطويل، تقترح فرض رسوم قدرها مليوني دولار على السفن لتمويل إعادة الإعمار.
تبدو هذه شروط هدنة أكثر استدامة وأكثر تعقيدا. يتمثل أول مطالب إيران في ضمانة ملزمة بأن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يوجهوا ضربة أخرى. لكن في النسخة الإيرانية من الخطة، يُضاف إلى هذا الشرط عبارة رئيسية أخرى: مطالبة واشنطن بالاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم".
قبل وأثناء النزاع، طالبت واشنطن مرارًا وتكرارًا إيران بتفكيك منشآتها النووية، ووقف تخصيب اليورانيوم، ونقل مخزوناتها من اليورانيوم خارج البلاد. لذلك، تنقل الصحيفة عن ديفيد أولبرايت، خبير الأسلحة النووية السابق في الأمم المتحدة ومؤسس معهد العلوم والأمن الدولي: "ستكون هذه مفاوضات صعبة، تزداد صعوبةً بسبب مطالب إيران الأخرى غير القابلة للتنفيذ. وقد لا يكون وقف إطلاق النار سوى فترة وجيزة بين الصراعات العسكرية".
تشمل تلك المطالب الأخرى "غير القابلة للتطبيق" بالنسبة لبعض حلفاء واشنطن رفع جميع العقوبات الأساسية والثانوية، وسحب جميع القوات الأمريكية من القواعد الإقليمية، والإفراج عن جميع الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
كما تخلت إيران عن مطلبها السابق بتعويضات الحرب من الولايات المتحدة، واستبدلته باقتراحها إنشاء نقطة تحصيل رسوم في المضيق، على أن تتقاسم الرسوم مع سلطنة عُمان التي تسيطر على الساحل الآخر. لكن استمرار سيطرة إيران على المضيق يأتي مصحوبًا بفهم ضمني بأنها قد تغلقه وتخنق الاقتصاد العالمي مرة أخرى إذا تعرضت للهجوم في المستقبل.
إعلان الانتصار
في الواقع، قد تكون مطالب طهران طويلة الأمد غير قابلة للتطبيق بالنسبة للغرب، لكن إجبار إيران لواشنطن على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، انطلاقًا من إطارها، يُعدّ انتصارًا هائلًا.
لكن ذلك أصبح ممكنًا بعد جهود جاءت من مصر وتركيا اللتان تثق فيهما طهران، ووساطة باكستان، التي يثق بها ترامب، التي لديها دوافع داخلية قوية للضغط من أجل وقف إطلاق النار، حيث تعتمد اعتمادًا كبيرًا على النفط والغاز والأسمدة من دول الخليج العربي، وكذلك اتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها مع السعودية العام الماضي.
هكذا، وجّهت إسلام آباد دعوةً إلى الإيرانيين والأمريكيين لإجراء محادثات يوم الجمعة. وقد تعهدت إيران بالحضور، وكذلك واشنطن، ومن المتوقع أن يترأس نائب ترامب، جيه دي فانس، الفريق الأمريكي.
وحتى الآن، ومع تجاهل الغضب الإسرائيلي، احتفل الطرفان بوقف إطلاق النار، مدعيين النصر العسكري. وصف ترامب الاتفاق بأنه "نصرٌ كاملٌ وشامل" للولايات المتحدة، بينما تفاخرت إيران بـ "نصرٍ عظيم". وقال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: "لقد مُني العدو بهزيمةٍ تاريخيةٍ ساحقةٍ لا تُنكر في حربه الجبانة وغير الشرعية والإجرامية ضد الشعب الإيراني".