في قلب المعاناة التي يعيشها قطاع غزة، تبرز قصص إنسانية ملهمة تعكس قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى أمل، ومن بينها تجربة الفنان الفلسطيني أوس البنا، الذي لم تمنعه إصابته البالغة وفقدانه ساقه جراء الاستهداف خلال الحرب من مواصلة دوره الإنساني والفني، بل زاد ذلك من إصراره على دعم الآخرين، لا سيما الأطفال.
من الألم إلى التأثير الإيجابي
عانى أوس البنا من واحدة من أقسى تجارب الحرب، إلا أنه رفض الاستسلام لليأس وقرر توظيف تجربته الشخصية في خدمة الأطفال الذين عايشوا ويلات مماثلة. ومن هذا المنطلق، انخرط في تقديم جلسات علاج ودعم تستهدف الأطفال في غزة، بهدف مساعدتهم على تجاوز آثار الصدمات النفسية التي خلفتها الحرب.
وفي حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية"، عبّر البنا عن سعادته الكبيرة بهذه التجربة، مؤكدًا أن الأطفال لم يفقدوا فقط منازلهم أو ذويهم، بل تحملوا أعباء نفسية عميقة تحتاج إلى احتواء ومعالجة حقيقية.
دعم عبر الفن
يعتمد أوس البنا في مبادرته على توظيف الفن كوسيلة علاجية فعّالة، ويقدم برنامجًا متكاملًا يمتد على مدار ثلاثة أسابيع، مكون من عدة جلسات يومية، يمر خلالها الأطفال بمراحل نفسية وفنية متدرجة.
ويؤكد أن الأسبوع الأول يركز على بناء الثقة بين الأطفال وبعضهم، وكذلك بينهم وبين الفريق القائم على المبادرة، من خلال تمارين التعارف وكسر الحواجز النفسية.
أما الأسبوع الثاني، فيمنح الأطفال مساحة آمنة للتعبير عن تجاربهم الشخصية، إذ يروون قصصهم وما مروا به خلال الحرب، في خطوة تهدف إلى تفريغ المشاعر المكبوتة والتخفيف من حدة الصدمات.
وفي الأسبوع الثالث، يتم تحويل هذه القصص إلى عمل فني، من خلال إعداد عرض مسرحي يشارك فيه الأطفال بأنفسهم، ليس فقط كساردين لتجاربهم، بل كممثلين يجسدون حكاياتهم على المسرح، في تجربة تعزز الثقة بالنفس وتمنحهم إحساسًا بالقدرة على التعبير والتأثير.
توسيع المبادرة
لم تتوقف المبادرة عند حدود الجلسات، بل يعمل أوس البنا بالتعاون مع عدد من الفنانين على إعداد ورش عمل لاستخلاص أفكار وقصص تُحوّل إلى عروض مسرحية متنقلة في مختلف أنحاء قطاع غزة. تهدف هذه العروض إلى الوصول لأكبر عدد ممكن من الأطفال والعائلات، حاملة رسالة إنسانية عميقة تعكس معاناة الأطفال وتعيد صياغتها في قالب فني يمنحهم صوتًا ويشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الألم.
الفن كوسيلة للنجاة
أكد البنا أن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة فعّالة للعلاج النفسي وإعادة بناء الإنسان، خصوصًا في أوقات الأزمات، إذ ينجح في زرع بذور الأمل داخل نفوس الأطفال، مقدمًا نموذجًا حيًا لقدرة الإنسان على النهوض رغم الجراح.