حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطابه في الأول من أبريل، أن يقدم رواية متماسكة لحرب بلاده وإسرائيل على إيران، واضعًا نفسه في موقع القائد الحاسم الذي يحقق إنجازات سريعة في مواجهة إيران، ضمن سياق يُنظر إليه كتنسيق عسكري واستراتيجي وثيق مع إسرائيل. فهذا الخطاب لا يمكن قراءته فقط كإعلان عسكري، بل كوثيقة سياسية تستهدف إعادة تشكيل الرأي العام الأمريكي وتحديد مسار الحرب في المرحلة المقبلة.
في السياق ذاته، يُثار العديد من التساؤلات، في مقدمتها: ما تأثير هذا الخطاب على الداخل الأمريكي إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟ وما حدود هذا التأثير؟ وكيف تتجلى دلالات هذا الخطاب في تحديد مسارات تلك الحرب خلال الفترة المقبلة؟
يُمكن الإجابة على هذه التساؤلات من خلال استعراض النقاط الأساسية التالية:
توقيت حيوي
جاء خطاب ترامب في لحظة حساسة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي مع الحسابات السياسية الداخلية. فالحروب الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، لطالما كانت عاملًا مؤثرًا في تشكيل المزاج العام داخل الولايات المتحدة، سواء عبر رفع شعبية القيادة أو تغيير اتجاهات الناخبين. فخطاب ترامب يعكس محاولته لإدارة توازن دقيق بين إظهار القوة الأمريكية وعدم الاستمرار في حرب طويلة غير شعبية.
ما أبعاد تأثير الخطاب على الداخل الأمريكي؟
سعى خطاب ترامب إلى التأثير في عدة نواحٍ وأبعاد تتصل بما يلي:
(*) تحقيق التعبئة الوطنية المطلوبة والضرورية لتماسك الجبهة الداخلية في الحرب الراهنة مع إيران: استخدم ترامب في خطابه لغة النجاح والإنجاز السريع، وهي مفردات تهدف إلى خلق حالة من الالتفاف الوطني حول القيادة الأمريكية. وعادةً ما يميل المواطنون إلى دعم القيادة خلال الأزمات الخارجية، لكن هذه التعبئة تبدو محدودة زمنيًا بسبب غياب جدول زمني لنهاية الحرب على إيران، فالتجارب السابقة، خاصة في العراق وأفغانستان، جعلت الرأي العام أكثر حذرًا وقلقًا مع الحرب الحالية.
(*) احتمال زيادة الانقسام السياسي في الداخل الأمريكي: قد يعزز خطاب ترامب الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة، خاصة إذا ارتفعت الخسائر أو التكاليف الاقتصادية. فقد يؤدي خطاب الرئيس الأمريكي إلى تعميق الانقسام الداخلي؛ التيار المحافظ قد يرى فيه تأكيدًا على استعادة الهيبة العسكرية، والتيار الليبرالي قد يعتبره تصعيدًا غير مبرر وخطرًا للتورط الطويل.
(*) محاولة إعادة توجيه الأولويات الداخلية الأمريكية:
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، سعى ترامب إلى استخدام خطابه كوسيلة لتحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية أو لتبرير زيادة الإنفاق العسكري مع استمرار الحرب على إيران وتزايد أمدها. لكن هذا السعي يحمل درجة مخاطرة عالية؛ فإذا لم يتحقق الانتصار الأمريكي السريع الذي وعد به ترامب المواطنين منذ بدء الحرب وتأكيده سحق إيران، فقد ينقلب الرأي العام بشكل حاد عليه ويعاقبه في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
دلالات مفيدة
يحمل خطاب ترامب دلالات عديدة ومهمة لتحديد مسار الحرب الإسرائيلية الأمريكية الراهنة على إيران. ويمكن رصد بعض هذه الدلالات فيما يلي:
(*) تبني إدارة ترامب استراتيجية "الضربة السريعة" في حربها مع إيران: فإصرار ترامب على تحقيق الأهداف الأمريكية من الحرب بسرعة يشير إلى تبني نهج قائم على استخدام الضربات المكثفة عبر استهداف بنى عسكرية محددة داخل إيران، مع احتمال تجنب الاقتحام البري الواسع فيها. ويقوم هذا النهج على فرضية أن إيران لن ترد بتصعيد كبير، وهي فرضية غير مضمونة في ظل التصريحات والضربات الإيرانية المستمرة لأكثر من شهر على أهداف أمريكية في دول الخليج أو على أهداف إسرائيلية.
(*) غموض متعمد في تحديد الأهداف النهائية للحرب على إيران: لم يحدد الخطاب ما إذا كان الهدف من الحرب ردع إيران فقط، أم تغيير سلوكها إقليميًا ودوليًا، أم إضعاف النظام الإيراني. ورغم أن هذا الغموض يمنح الإدارة مرونة، فإنه في الوقت نفسه يفتح الباب للتوسع في أهداف الحرب ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى صراع أطول مع إيران.
(*) استمرار ترسيخ تحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل: الإطار العام للخطاب يعكس توافقًا استراتيجيًا مع الكيان الإسرائيلي، ما يعني استمرار التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا بدوره قد يدفع إيران إلى استخدام وكلاء إقليميين وتوسيع نطاق الصراع بشكل غير مباشر، الأمر الذي يزيد احتمالات توسيع العمليات لتشمل جبهات إقليمية أخرى.
(*) استخدام رسائل متناقضة لتحقيق ردع مزدوج قائم على طمأنة الداخل وتحذير الخارج في الوقت نفسه: وجّه ترامب خطابه إلى جمهورين؛ الجمهور الأمريكي في الداخل لطمأنته بأن الحرب تحت السيطرة، وجمهور خارجي إيراني أو مؤيد لإيران بهدف التحذير من التصعيد مع الولايات المتحدة. لكن المشكلة أن هذه الرسائل قد تكون متناقضة؛ فطمأنة الداخل تتطلب تقليل المخاطر، أما ردع الخارج فيتطلب إظهار الاستعداد للتصعيد.
في النهاية، يُمكن القول إن خطاب ترامب يمثل محاولة من جانبه لإدارة حرب خارجية بأدوات خطابية داخلية تستهدف تضخيم الإنجازات، تقليل المخاطر، وترك الأهداف مفتوحة. وسيعتمد تأثير هذا الخطاب على الداخل الأمريكي على ما إذا كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ستبقى قصيرة ومحدودة، أم ستتحول إلى صراع ممتد ومتسع الرقعة الجغرافية. أما فيما يتعلق بدلالات ذلك الخطاب على مسار الحرب، فمضمون الخطاب يشير إلى تفضيل نهج الضغط العسكري المكثف دون التورط الشامل، ما يعني استمرار الضربات الجوية والاستهدافات الدقيقة داخل إيران أو ضد أذرعها الإقليمية وتجنب حرب برية مباشرة واسعة. فإذا لم تُترجم النجاحات السريعة، التي تحدث عنها ترامب، إلى واقع استراتيجي مستقر، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام سيناريو معتاد من حروبها السابقة في العراق وأفغانستان، حيث يقابل التفوق العسكري تعقيد سياسي واستنزاف طويل الأمد في حربها إلى جانب إسرائيل ضد إيران.