في عام 1973، كانت شقة الطالب بكلية طب قصر العيني - جامعة القاهرة (توفيق) - ابن الشاعر السوري الكبير نزار قباني، الفسيحة في حي الزمالك الأرستقراطي بوسط القاهرة، تنتظر عودته.
في الشقة وُضعت كتبه، وأقلامه، وفرشاة الرسم، وكتب المحاضرات، ولوحة رسم كان يرسم عليها صورة فتاة دمشقية كانت زميلة له في المرحلة الابتدائية.. كل الأشياء تنتظر توفيق، وتوفيق ينتظره الموت.
•••
البالطو الأبيض معلق فوق الحامل في ركن الشقة، كان قد اشتراه له والده الشاعر نزار قباني في زيارة له للقاهرة من شارع قصر العيني، الشارع المعروف ببيع كل ما يتعلق بالطب والأطباء. بجواره راديو صغير، وفنجان قهوة فارغ، وستائر النافذة معلقة في الهواء، تداعب نسمات الربيع في انتظار عودة توفيق.. لكن توفيق هذه المرة لن يعود.
توفيق، ابن 17 سنة، كان يعاني تضخمًا في القلب، ربما في العضلة، نتيجة مرض وراثي كما أخبره الطبيب في مستشفى القلب بلندن عندما زاره نزار مع والده قبل شهور من الوفاة.
•••
الآن، سيارة الإسعاف تخترق الشوارع، والفريق الطبي الذي جاء معها يضع أجهزة التنفس بسرعة، ويجري عملية تدليك للقلب بكل قوة. السيارة تمر الشوارع مسرعة بأقصى سرعة، وعلى باب الاستقبال كان أطباء النوبات في استقباله. الآن توفيق معهم لكنه.. مات.
ليكتب نزار قباني مرثية شديدة الإبداع قال فيها:
"أتوفيق..
لو كان للموت طفل،
لأدرك ما هو موت البنين
ولو كان للموت عقل؟
سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
ولو كان للموت قلب..
تردد في ذبح أولادنا الطيبين.
أتوفيق يا ملكي الملامح..
يا قمري الجبين..
صديقات بيروت منتظرات..
رجوعك يا سيد العشق
والعاشقين..
فكيف سأكسر أحلامهن؟
وأغرقهن في بحر الذهول
وماذا أقول لهن حبيبات عمرك،
ماذا أقول؟
أتوفيق..
إن جسور الزمالك ترقب كل صباح خطاك
وإن الحمام الدمشقي يحمل تحت جناحيه دفء هواك
فيا قرة العين.. كيف وجدت الحياة هناك؟
فهل ستفكر فينا قليلاً؟
وترجع في آخر الصيف حتى نراك..
أتوفيق..
إني جبان أمام رثائك..
فارحم أباك".
•••
وقبل خمسين سنة تقريبًا من وفاة توفيق نزار قباني، وبالتحديد في 1918، كانت "باحثة البادية" كما كان يُطلق عليها، ملك حفني بك ناصف، تعيش في محافظة الفيوم جنوب غرب القاهرة، على بعد 80 كم، عندما أصيبت بحمى تُسمى حسب وصفها حينها الحمى الإسبانية. نصحها الأطباء ألا تفارق منزلها وغرفتها وسريرها، لكنها رفضت. وكانت الأخت الحنون والفتاة البارة بأهلها، فقررت السفر من الفيوم إلى القاهرة لحضور جلسة في محكمة الجنايات حيث كانت سلطات الاحتلال تتهم شقيقها مجد الدين بتهمة سياسية قد تؤدي إلى الإعدام.
•••
حضرت القاهرة لتسانده بالفعل، ووقفت بجواره لتشجعه وتشد من عزمه حتى حصل على البراءة. وعندما عادت إلى الفيوم، كانت الحمى قد أضعفت جسدها تمامًا، حتى نصح بعض الأطباء بمساعدتها بالأكسجين، وكان أحد الأطباء يعطيها ذلك.. لكن دون جدوى.
•••
يومًا بعد يوم، ساءت حالتها واشتدت وطأة الحمى. حضر الأطباء من القاهرة والفيوم، لكنهم عجزوا أمام الموت.
والآن، بجوار سريرها يقف زوجها عبد الستار الباسل، وشقيقها مجد الدين، ووالدها حفني بك ناصف، عندما قال لهم آخر طبيب:
"خلاص، ضاع الأمل".
صاح الجميع: "هل ماتت ملك؟"
هز الطبيب رأسه: "نعم.. الطب عجز.. والموت حضر".
•••
سقط والدها حفني بك ناصف على الأرض مغمى عليه، وظل بعدها مريضًا أسابيع طويلة. زاره صديقه حافظ بك إبراهيم، شاعر النيل، فوجد حالته سيئة، فنظم شعراً قال فيه:
"قد زعزعته يد القضاء
وزلزلته يد القدر
أنا لم أذق فقد البنين
ولا البنات على الكبر
لكن لما رأيت فؤاده
وقد انفطر
ورأيته قد كاد يحرق زائريه
إذا زفر
وشهدته أينما خطوا
خطوا تخيل أو عثر
أدركت معنى الحزن
حزن الوالدين - فما أمر".
•••
وكأن حال حفني بك ناصف الأب والشاعر كان نفسه حال نزار قباني الأب والشاعر، عندما أنشد قائلاً:
"وماذا سأكتب يا بني؟
وموتك ألغى جميع اللغات..
لأي سماء نمد يدينا؟
ولا أحد في شوارع لندن
يبكي علينا..
يهاجمنا الموت من كل صوب..
ويقطعنا مثل صفصافتين.
فأذكر، حين أراك، عليا
وتذكر حين تراني، الحسين".
•••
وهو نفس الحال الذي جعل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي يقول، على لسان عمته آمنة، في قصيدة شهيرة حملت نفس العنوان:
"إوعى تعيش يوم واحد بعد عيالك
إوعى يا عبد الرحمن.
في الدنيا أوجاع وهموم أشكال وألوان.
الناس ما بتعرفهاش.
أوعرهم لو حتعيش
بعد عيالك ما تموت.
ساعتها بس..
حتعرف إيه هو الموت".
•••
الأحداث حقيقية، والسيناريو من خيال الكاتب.
المصدر: كتاب الساعات الأخيرة - طاهر الطناحي - كتاب الهلال - 1962.