في وقت يشهد فيه العالم تغييرات جذرية، تخشى تايوان من الهجوم الصيني، الذي وصفته وسائل إعلام أمريكية وتايوانية بأنه محتمل خلال السنوات القليلة المقبلة. وانطلاقًا من تلك المخاوف شرع آلاف التايوانين إلى "عسكرة الحياة المدنية".
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فإن بعض المواطنين يحملون الآن حقيبة ظهر مليئة بالمياه والكتب ومعدات الطوارئ، متجنبين المصاعد ومفضلين صعود السلالم كجزء من تدريبها اليومي، الأمر لا يتعلق باللياقة فقط، بل بالاستعداد لهروب مع أطفالهم حال تعرضت الجزيرة لهجوم صيني مفاجئ.
مجتمع مستعد للحرب
وتسعى الحكومة التايوانية إلى ترسيخ مفهوم "الجاهزية الشاملة"، حيث لم يعد أمن تايوان يعتمد فقط على الجيش، بل على استعداد المدنيين أنفسهم لمواجهة سيناريو الهجوم الصيني المحتمل.
وتشمل هذه الجهود برامج تدريب على الإسعافات الأولية، والدفاع عن النفس، والتعامل مع انقطاع الاتصالات، بل وحتى محاكاة سيناريوهات الحرب داخل مراكز مجتمعية.
وعلى الرغم من هذه الجهود، لا يزال جزء من المجتمع التايواني مترددًا في تبني هذا النهج. فمستوى المعيشة المرتفع وغياب التهديدات اليومية المباشرة خلقا حالة من "الرضا الزائف"، بحسب تقارير بحثية، ما يحد من فعالية حملات التوعية الحكومية.
كما تواجه الحكومة تحديات سياسية داخلية، أبرزها تعثر تمرير ميزانية دفاعية خاصة بقيمة 40 مليار دولار، في ظل انقسام سياسي حاد. ويرى بعض معارضي الحكومة أن تعزيز القدرات الدفاعية قد يستفز بكين ويدفعها لتسريع خيار المواجهة العسكرية.
صراع مستمر
وتعود جذور الأزمة إلى عام 1949، حين انسحبت حكومة القوميين إلى تايوان بعد هزيمتها في الحرب الأهلية أمام قوات الحزب الشيوعي الصيني، ومنذ ذلك الحين تعتبر بكين تايبيه جزءًا لا بتجزأ من أراضيها وترفض أي محاولات لاستقلالها وتتعهد بإعادتها لـ"الوطن الأم".
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أقل من 8% من التايوانيين يؤيدون الوحدة مع الصين، بينما يفضل معظمهم الحفاظ على الوضع القائم أو التوجه نحو الاستقلال، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
صعود ثقافة "البقاء"
في ظل هذه التوترات، بدأ آلاف المدنيين في تبني أساليب "البقاء"، مثل تجهيز حقائب الطوارئ، وتخزين المواد الأساسية، وتعلم استخدام أجهزة اتصال بديلة في حال انقطاع الإنترنت.
كما انتشرت منظمات الدفاع المدني غير الحكومية، مثل "كوما أكاديمي"، التي تهدف إلى "غرس عقلية ما قبل الحرب" بين المواطنين، عبر برامج تدريب تشمل مواجهة الحرب المعلوماتية إلى جانب المهارات الميدانية.
وفي مدينة تاينان جنوبًا، تعمل مجموعات محلية على تطوير ملاجئ طوارئ وشبكات اتصال لاسلكية مستقلة، تحسبًا لتعطيل البنية التحتية الرقمية، خاصة الكابلات البحرية.
ويستحضر كثير من التايوانيين تجربة أوكرنيا في حربها مع روسيا، كمثال على أهمية صمود المدنيين إلى جانب القوات المسلحة، وهو ما عزز القناعة بضرورة الاستعداد الشعبي الواسع.