الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

القارئ محمد فريد السنديوني.. صوت مصر في "الشرق الأدنى"

  • مشاركة :
post-title
القارئ المصري الشيخ محمد فريد السنديوني وغلاف كتاب "ألحان السماء"

القاهرة الإخبارية - خيري حسن

في عام 1949 عاد فضيلةُ القارئ المصري الشيخ محمد فريد السنديوني إلى القاهرة التي كان قد غادرها قبل سنتين للعمل في إذاعة كان اسمها "الشرق الأدنى" أسستها وزارة الخارجية البريطانية وكانت تبث من يافا في الأراضي الفلسطينية، وفور عودته ذهب إلى الإذاعة المصرية ليعود إلى قراءة القرآن الكريم، حيث كان قبل ثمانية أعوام قد انطلق صوته للمرة الأولى من إذاعة القاهرة. وظل يقرأ في الإذاعة منذ عام 1939 وحتى عام 1941 قبل سفره إلى فلسطين.

وصل الشيخ السنديوني إلى الإذاعة عند الساعة العاشرة صباحًا، فوجد موظفًا يقول له:" أهلًا يا مولانا"، وقبل أن يطلب معرفة الفترة الإذاعية التي سوف يقرأ فيها، وجد الموظف يقول له: "هو أنت متعرفش يا مولانا؟"

ـ رد: أعرف ايه؟

قال الموظف: "السادة المسؤولون عن الإذاعة قرروا عرضك على لجنة رسمية للامتحان".

ـ رد الشيخ: "امتحان في ايه؟"

في قراءة القرآن الكريم

ـ رد الشيخ بثبات يُحسد عليه: "يا ابني أنا مقرئ من 20 سنة".

ـ رد: "والله التعليمات كده"!

فهز الشيخ رأسه وسحب أقرب كرسي بجواره وجلس وهو يقول: "طيب!"

اسـمه الحقيقي هو عبد العظيم حسن علي السمني، ولقد سُمَّيَ "محمد فريد" للشبه الذي كان بينه وبين المناضل المصري الكبير محمد فريد، وسُمّيَ السنديوني نسبةً إلى قريته سنديون بمحافظة القليوبية في "دلتا مصر"، حيث ولد عام 1913 لوالدين يعملان بالزراعة. حفظ القرآن في كُتّاب القرية وبعد وفاة والده أرسلته أمه إلى القاهرة وظل الشيخ السنديوني يعيش بحي شبرا حتى داهمه المرض ووافته المنية في مستشفى الخازندارة يوم 26 سبتمبر من عام 1955 عن عمر يناهز 42 عامًا.

بعد ساعة مرت من الوقت جاء الموظف وقال له: "عمومًا يا مولانا الامتحان تأجّل لمدة أسبوع وفي نفس الموعد سيكون الامتحان وأيضًا فيه رسوم سوف تدفعها يا مولانا". وتوقع السادة المسؤولون أن الشيخ سوف يعود إلى بيته ولن يعود مجددًا، لكنه في الزمان والمكان كان حاضرًا ينتظر بدء عمل اللجنة. دخل الشيخ على مجموعة من الأشخاص أشبه بالمُحلِّفين ـ لجنة الامتحان ـ كان بينهم، كما يقول الكاتب الصحفي المصري الراحل محمود السعدني، "المُعمَّم الذي يفهم سر المهنة والذي ليس له من الموهبة إلا صلة وثيقة بالقصر الملكي الذي كان يحكم البلاد" وبعد دقائق أعطت اللجنة الإشارة للشيخ ليبدأ القراءة.

وقبل أن يبدأ القراءة شرد بذهنه بعض الوقت تذكر فيها عندما كان اسمه من أكبر الأسماء في دولة التلاوة، ليس في مصر فقط بل في الأمة العربية والإسلامية. منذ ظهوره الأول عام 1938 عندما خرج من قريته في محافظة القليوبية، ومنها إلى العواصم العربية، حيث كانت بدايته عربيًا عندما سافر إلى فلسطين للعمل في إذاعة الشرق الأدنى بمبلغ كبير في الليلة آنذاك.

في عام 1941، كان الشيخ السنديوني في فلسطين عندما وقعت الحرب العالمية الأولى فقررت إذاعة الشرق الأدنى الاستغناء عن خدماته، ليعود إلى القاهرة ويترك بيته في يافا الذي عاش فيه عدة سنوات، وشهد استقباله للكاتب المصري عباس محمود العقاد، والصحفي اللبناني سعيد فريحة، والكاتب المصري إبراهيم المازني وغيرهم من الكتاب والصحفيين العرب. واستمر ذلك حتى قامت الحرب العالمية الثانية، والتي غادر بسببها فلسطين واستقر بالقاهرة التي جاء الآن إليه ليعود إلى الإذاعة المصرية.

وبعدما استرجع شريط الذكريات الذي مر في لمح البصر أمام عينيه سمع صوتا يناديه: "الشيخ السنديوني.. اتفضل للامتحان". وبخطوات بطيئة لكنها ثابتة، وبأحاسيس متضاربة وقف في الحجرة واستعدـ حسب تصور اللجنة الجالسة أمامه، فإن الشيخ سيقرأ الآن ما تيسر له من آيات الذكر الحكيم. لكن عندما نطق الشيخ بُهِت كل من في الحجرة، فبدلًا من أن يقرأ الشيخ القرآن الكريم، كما هو متعارف عليه، وجدوا الشيخ يغني أغنية فبُهِت الجميع فيما غادر الشيخ السنديوني الحجرة ولسان حاله يقول لهم: "أنا قارئ للقرآن 20 سنة.. فهل بعد هذا العمر تأتوا بي للاختبار؟" وكأن ما فعله، وهو غريب وعجيب، كان رسالة اعتراض وتهكُّم ورفض للموقف الذي وجد نفسه فيه، وهو صاحب الصوت المتميز والمتفرد في دولة التلاوة، وبالفعل خرج ولم يعد. ليبقى صوت الشيخ فريد السنديوني، كما يصفه محمود السعدني، "صوتًا كان دائمًا يقطر ألمًا وحزنًا ومرارة"! وربما يكون الألم والحزن والمرارة زادت بعد هذا الموقف الذي ظل شاخصًا أمامه حتى توفاه الله في سن مبكرة.

الأحداث حقيقة والسيناريو من خيال الكاتب

المصدر: كتاب ـ ألحان السماء ـ محمود السعدني ـ 1996