الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

القارئ المصري منصور بدّار.. صوت "الذهب المصهور"

  • مشاركة :
post-title
الشيخان المصريان الراحلان منصور بدار وأحمد سليمان السعدني

القاهرة الإخبارية - خيري حسن

ذات يوم ذهب الكاتب المصري الراحل محمود السعدني إلى الشيخ أحمد سليمان السعدني، حيث كان مقربًا وصديقًا له وسأله: عن أصوات المشاهير من كبار القراء الأحياء منهم والأموات، الذين يحبهم الشيخ السعدني ويحب الاستماع لتلاوة القرآن منهم.

في البداية رفض الشيخ السعدني من باب أن كلهم أساتذة وزملاء وليس هناك صوت أفضل من آخر، لكن السعدني ـ الكاتب ـ ألح في سؤاله وذلك الإلحاح ليس بغرض تفضيل اسمًا عن آخر، ولكن ليعرف الناس رأى الشيخ السعدني في تلك الأصوات. وبعدما استجاب الشيخ واقتنع بوجهة نظر محمود السعدني، قال له:

ــ اسمع يا أستاذ محمود

ـ اتفضل يا مولانا

في البداية قال الشيخ: "دعني أقولك إن الشيخ محمد رفعت مثل الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري"

فرد محمود السعدني: "تقصد يمشى وحده ويموت وحده؟"

ـ رد الشيخ: "ويبعث يوم القيامة وحده" (وهو بهذا التشبيه يريد أن يقول إنه لا شبيه له من جمال صوته فهو اسمًا وصوتًا لوحده).

ثم أكمل الشيخ السعدني: "وصوت الشيخ بدّار كالذهب المصهور وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل كالذهب المسبوك"، ثم سكت قليلًا وقال: "وكل قارئ له رائحة خاصة وطعم مختلف، مثل حديقة الفاكهة، فيها كل شيء من البلح الزغلول إلى العنب النباتي"، ثم ختم قوله: "المهم يا أستاذ محمود هو التوفيق في خدمة القرآن الكريم".

وأثناء قراءتي لهذا الحوار ما بين السعدني الكاتب والسعدني القارئ، لفت انتباهي اسم الشيخ بدّار الذي وصفه السعدني ـ القارئ ـ بأن صوته كـ"الذهب المصهور"، فبحثت عنه حتى أعرف لماذا غاب عن دولة التلاوة مبكرًا؟ ولما لا نعرفه بالقدر الذي يستحقه صوته العذب الذي يشبه الذهب. لقد ولد الشيخ منصور محمد منصور بدّار في قرية مجول ـ مركز بنها ـ محافظة القليوبية عام 1884، وعاش حتى وصل عمره 83 سنة، وكان من ثوار ثورة 1919، وعندما سُئل الشيخ محمد متولي الشعراوي عنه، قال: "في عهد تكويني كانت الأخبار تصلنا عن واحد من أهم مشاهير القراء الذين ذاع صيتهم في كل مكان وكان هو الشيخ منصور بدّار الذي اشتُهر باسم قارئ الخلافة العثمانية".

لقد عاش الشيخ بدّار حتى بلغ من العمر أرذله، لكن لأسباب لم يعرفها محمود السعدني، قد اعتزل ـ أو امتنع ـ عن قراءة القرآن عام 1939 لأسباب ظلت مجهولة، لكنه قبل هذا الاحتجاب ـ أو الاعتزال المبكر ـ كان قد قضى سنوات من عمره يقرأ في مدينة إسطنبول ـ وهذه هي المرحلة السابقة التي كان قد بلغ فيها قمة مجده ـ إلى أن قامت ثورة 1919 فقرر العودة للقاهرة رغم أن الخليفة العثماني وقتها هو الذي كان قد طلبه لقراءة القرآن الكريم هناك، إلا أنه مع بوادر الثورة قرر العودة لمصر ليشارك فيها مع مشايخ الأزهر والطلبة والعمال في بدايتها. وبالفعل شارك في الثورة حتى أن البعض اعتبره من قادتها في الميدان، وبجانب ذلك العمل الثوري اشترى مساحة أرض زراعية كبيرة في محافظة القليوبية واعتزل التلاوة بعدما قرأ لمدة أسبوع في مأتم الزعيم سعد زغلول، ثم عاد من بيت الأمة إلى مزرعته مرة أخرى، ولم يعد للقراءة مرة ثانية إلا في مأتم الملك فؤاد، ثم غاب ولم يعد للقراءة مرة أخري نهائيًا حتى مات.

ولقد حاول الكاتب الراحل محمود السعدني معرفة سر ابتعاد الشيخ منصور بدّار وتوقفه وابتعاده عن استكمال مسيرته العطرة في دولة التلاوة، لكنه ـ وهذا من سوء الطالع ـ لم يعرف لابتعاده أي سبب، لتغلق بذلك صفحة تلاوة الشيخ منصور بدّار مبكرًا، ونخسر ـ بذلك الابتعاد نحن جمهور دولة التلاوة في مصر والعالم العربي والإسلامي - صوتًا وصفه السعدني (الشيخ) للسعدني (الكاتب) بأنه "ذهب مصهور"! .

ـ الأحداث حقيقية السيناريو من خيال الكاتب

المصدر: كتاب: ألحان السماء ـ محمود السعدني ـ طبعة أخبار اليوم ـ 1996