لا تزال عملية اختيار المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، تشغل الرأي العام العالمي خلال الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إذ كشفت تقارير إعلامية دولية عن تفاصيل المناقشات والصراعات التي سبقت اختيار مجتبى مرشدًا أعلى جديدًا لإيران.
صراع الخلافة
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" تفاصيل ما وصفته بالدراما التي رافقت عملية انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، موضحة أن هناك تنافسًا بين فصيلين سياسيين داخل النظام: الفصيل الموالي لعائلة علي خامنئي والفصيل الموالي لعائلة مؤسس الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني.
وروّج المتشددون داخل النظام لترشيح مجتبى خامنئي، بينما طرح الإصلاحيون مرشحين محتملين هما حسن الخميني، حفيد روح الله الخميني، والرئيس السابق حسن روحاني، بينما اقترح المعتدلون علي رضا عرابي، أحد نواب رئيس مجلس الخبراء، مرشحًا توافقيًا يمكن أن يحظى بدعم مختلف التيارات داخل النظام.
واستندت "نيويورك تايمز" في رواية تفاصيل العملية الانتخابية إلى مقابلات أجرتها مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى.
وصية خامنئي
قبل وفاته، قدّم علي خامنئي لمستشاريه المقربين ثلاثة أسماء مرشحة لخلافته في منصب المرشد الأعلى، ولم يكن ابنه مجتبى ضمن هذه الأسماء الثلاثة، وبحسب المصادر، لم يرغب خامنئي الأب في تحويل منصب المرشد الأعلى إلى منصب وراثي بعد أن أنهت الثورة الإسلامية النظام الملكي في إيران.
ووفقًا لهذه المصادر، فإن مجتبى خامنئي، البالغ من العمر ستة وخمسين عامًا، لم يكن ليصبح مرشدًا أعلى على الأرجح لو أن والده توفي وفاة طبيعية ولم يُقتل في بداية الحرب، ورأى بعض الخبراء ضرورة احترام رغبة علي خامنئي بعدم اختيار ابنه خلفًا له، لكن آخرين اعتبروا أن الدستور لا يلزم المجلس بتنفيذ هذه الرغبة.
اجتماع الخبراء
في الثالث من مارس الجاري، عقد مجلس الخبراء الذي يضم ثمانية وثمانين من كبار رجال الدين اجتماعًا سريًا عبر الإنترنت لأسباب أمنية، إذ تنص القواعد على أن عملية الاختيار تنتهي عندما يحصل أحد المرشحين على أغلبية الثلثين من أصوات المجلس.
وسعى المتشددون الذين دعّموا ترشيح "مجتبى" إلى مواصلة النهج المتشدد تجاه الولايات المتحدة، في المقابل، رأى الإصلاحيون أن المرحلة تحتاج إلى وجه جديد وأسلوب حكم مختلف وحتى مقاربة مختلفة للعلاقة مع الولايات المتحدة.
وحصل مجتبى خامنئي على دعم شخصيات بارزة من بينها أحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وحسين تاب، الرئيس السابق لجهاز المخابرات في الحرس الثوري.
في المقابل، قال علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي، الذي وصفته صحيفة "نيويورك تايمز" بالزعيم الفعلي الحالي لإيران، إن البلاد تحتاج إلى قائد معتدل وموحد.
انضم الرئيس مسعود بزشكيان، العضو في المعسكر الإصلاحي، إلى معارضة انتخاب مجتبى خامنئي، كما شارك عدد من كبار المسؤولين ورجال الدين في هذا الموقف المعارض، وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن النقاشات داخل المجلس عكست انقسامًا واضحًا بين تيارات النظام.
اختيار للانتقام
وأوضحت "نيويورك تايمز" أن غضب النظام من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو دفع أعضاء مجلس الخبراء إلى التمسك بالنهج المتشدد، ومع تقدم عملية الاختيار، بدا أن بعض أعضاء المجلس ركّزوا على اختيار نجل علي خامنئي، الذي يفترض أنه سينتقم لاغتيال والده.
في التصويت الأول، الذي جرى في الثالث من مارس، حصل مجتبى خامنئي على الأغلبية اللازمة، وبعد ذلك بدأت وسائل الإعلام الإيرانية الاستعداد لإعلان اسم المرشد الأعلى الجديد.
لكن الأحداث اتخذت مسارًا مختلفًا عندما ألغى علي لاريجاني الإعلان في ضوء تصريحات أمريكية وإسرائيلية تحدثت عن احتمال تصفية خليفة خامنئي.
رفض المنصب
واقترح علي لاريجاني تأجيل الإعلان عن المرشد الجديد حتى انتهاء الحرب، وأتاح هذا التأجيل فرصة جديدة للإصلاحيين لممارسة ضغوط إضافية على مجلس الخبراء لإعادة النظر في القرار.
وأبلغ مجلس الخبراء لاحقًا أن مجتبى خامنئي، الذي كان يتعافى من إصابة تعرض لها في غارات جوية في بداية الحرب، لا يرغب في تولي المنصب، وبحسب ما نقلته المصادر، قال مجتبى خامنئي: "اختر شخصًا آخر"، غير أن ظروف الحرب جعلت الاتصال به مباشرة للتحقق من هذا الموقف أمرًا صعبًا لأسباب أمنية.
وأوضح عبد الرضا دباري، وهو سياسي مقرب من خامنئي، أنه عندما أُبلغ مجتبى باختياره، قال إنه لا يريد المنصب وطلب اختيار شخص آخر، وأضاف أن هذا السلوك يعكس عادة شيعية تتمثل في الرفض المهذب قبل القبول النهائي.
محاولة عرقلة الانتخاب
اجتمع المعتدلون الذين حاولوا عرقلة انتخاب مجتبى خامنئي مع أعضاء مجلس الخبراء، وخلال اللقاء قدموا شهادات تفيد بأن علي خامنئي لم يكن يرغب في أن يخلفه ابنه في منصب المرشد الأعلى.
كما عرضوا وصية تتضمن هذه الرسالة ودعوا المجلس إلى إلغاء نتائج التصويت، وأبدى بعض أعضاء مجلس الخبراء دهشتهم من هذه الخطوة، وطلبوا مهلة للتشاور قبل اتخاذ قرار جديد بشأن نتيجة التصويت، وقال أحد أعضاء المجلس إن المعتدلين يحاولون تنفيذ ما وصفه بمحاولة انقلاب داخل المؤسسة.
استهداف الخليج
في السابع من مارس الجاري، أعلن الرئيس الإيراني فضل الله أن إيران ستتوقف عن مهاجمة جيرانها في الخليج، كما طلب منهم الصفح، موضحًا أن قرار تخفيف التوتر جاء من المجلس الانتقالي الذي يرأسه.
وأشار إلى أن هذا المجلس من المفترض أن يدير البلاد إلى حين انتخاب مرشد أعلى جديد، لكن قرار تخفيف التوتر مع دول الخليج أثار غضب المتشددين داخل النظام.
وبعد ذلك، مارسوا ضغوطًا على مجلس الخبراء لعقد جلسة تصويت نهائية فورية، وفي هذا السياق دعا حسين تاب جميع أعضاء المجلس الـ88 إلى التصويت لمجتبى خامنئي.
كتب كل عضو في مجلس الخبراء اسمه على ورقة ووضعها داخل ظرف، وتولى مندوبون تسليم هذه الأوراق إلى اللجنة المسؤولة عن فرز الأصوات.
وبعد انتهاء عملية الفرز، حصل مجتبى خامنئي على تسعة وخمسين صوتًا من أصل ثمانية وثمانين، وقبيل منتصف الليل بقليل، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية انتخاب مرشد أعلى جديد لإيران.