تشهد هياكل السلطة في إيران تحركات جديدة تعكس إعادة ترتيب الأدوار داخل الدائرة القيادية للنظام، فقد أعلن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي تعيين محسن رضائي، أحد أبرز قادة الحرس الثوري السابقين، مستشارًا عسكريًا له، إذ يعد من الشخصيات التي نالت ثقة القيادات العليا المتعاقبة، وامتدت علاقته من عهد المرشد الأول الخميني إلى المرشد الثاني علي خامنئي، وصولًا إلى المرحلة الجديدة التي يقودها مجتبى خامنئي.
نشاط مبكر
أفادت وكالة "مهر" الإيرانية، بأن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، أمر بتعيين أحد أبرز قيادات الحرس الثوري الإيراني محسن رضائي، مستشارًا عسكريًا له، وهو حاليًا عضو في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
ولد محسن سبزوار رضائي مير قائد المعروف بـ"محسن رضائي" في الأول من سبتمبر عام 1954 في مدينة مسجد سليمان، ودرس الهندسة الميكانيكية في جامعة إيران للعلوم والتكنولجيا (علم وصنعت) في طهران، وهناك أقام علاقات مع جماعة دينية تسمى "المنصورون"، وعارض "رضائي" نظام حكم الشاه مبكرًا، فزُجَّ به في السجن، لكنه ما لبث أن استأنف نشاطه السياسي وشارك في الثورة الإسلامية عام 1979.
وبعد ثورة 1979 شارك مع عدد من أعضاء الجماعة في تشكيل منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية لمواجهة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وشارك في قمع الأقليات العرقية خلال السنوات الأولى بعد الثورة، خصوصًا في المناطق الكردية، كما شارك مع قيادات أخرى في قمع واعتقال المعارضين، ولا سيما مؤيدي منظمة مجاهدي خلق.
الحرس الثوري
كان "رضائي" من مؤسسي منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، ثم انضم إلى الحرس الثوري بعد تأسيسه، وكان عضوًا في مجلسه المركزي وقائدًا لجهاز استخباراته لمدة عامين، ففي سن الـ27 أصبح رئيسًا للحرس الثوري بأمر من قائد الثورة الخميني (في الأشهر الأولى من الحرب الإيرانية العراقية) وظل 16 عامًا قائدا للحرس الثوري، وكان قائدًا للقوات المسلحة خلال ثماني سنوات من الحرب مع العراق.
تولى رضائي عدة مناصب داخل النظام الإيراني منذ السنوات الأولى للثورة، فقد كان عضوا في فريق أمن الخميني عام 1979، كما شارك في مجلس صياغة النظام الأساسي للحرس الثوري الإيراني في العام نفسه.
وتولى قيادة وحدة الاستخبارات السياسية التابعة للحرس الثوري بين عامي 1979 و1981، ثم أصبح قائدا للحرس الثوري من عام 1981 إلى عام 1997.
تهديدات سابقة
في يونيو 2015، بينما كانت القوى العالمية تضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق النووي الإيراني المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، أطلق رضائي تهديدًا موجهًا إلى الولايات المتحدة.
وقال إن الأمريكيين إذا فكروا في توجيه ضربة عسكرية لإيران فإن طهران ستقبض على ألف أمريكي على الأقل خلال الأسبوع الأول، وأن الولايات المتحدة ستضطر حينها إلى دفع مليارات الدولارات مقابل إطلاق سراح كل واحد منهم، معتبرًا أن ذلك قد يحل المشكلة الاقتصادية للنظام.
في العاشر من يناير عام 2020 أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية محسن رضائي على قائمة العقوبات الخاصة بها، وأوضحت الوزارة أن القرار جاء بسبب دوره في الترويج لأهداف النظام المزعزعة للاستقرار.
وأُدرج اسمه في قوائم الإنتربول بطلب من الأرجنتين على خلفية تفجير مركز "آميا" اليهودي في بوينس آيرس عام 1994، وهي تهمة ينفيها هو والحكومة الإيرانية.
عمليات كربلاء
ونفّذ الحرس الثوري بقيادة رضائي عدة هجمات خلال الحرب الإيرانية العراقية التي عرفت باسم عمليات كربلاء، التي أطال بها النظام الإيراني أمد الحرب رغم الاستنكار الدولي، إذ عبر أكثر من ستين ألف جندي من الحرس الثوري والباسيج شط العرب شمال وجنوب خرمشهر بزوارق مطاطية وسفن آلية، لمواجهة القوات العراقية مباشرة.
وأقر يحيى رحيم صفوي القائد السابق للحرس الثوري بأن عملية كربلاء الرابعة أسفرت عن سقوط ما لا يقل عن 55 ألف قتيل وجريح في صفوف الحرس الثوري والباسيج، وأشارت الإحصاءات الرسمية إلى فقدان 10 آلاف إيراني في العملية.
أقر رضائي بأن وحدة الاستخبارات والبحث التابعة للحرس الثوري تحولت في عهده إلى منظمة أمنية، وأوضح أنه اقترح خلال الحرب إنشاء منظمات تابعة للحرس الثوري للتعامل مع المعارضة.
خلال فترة قيادة رضائي للحرس الثوري انخرطت المؤسسة العسكرية في عمليات اغتيال خارجية، ومن أبرز هذه العمليات اغتيال صادق شرفكندي زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في مطعم ميكونوس في برلين في 17 سبتمبر 1997، وخلصت محكمة ألمانية إلى تورط النظام الإيراني بشكل مباشر في عمليات الاغتيال.
طموح رئاسي
وخلال السنوات الـ16 التي قاد فيها رضائي الحرس الثوري لعب دورًا في القمع الداخلي، كما شارك في تأسيس ورعاية جماعات مسلحة في المنطقة، وشمل ذلك دعم حزب الله في لبنان والمشاركة في عمليات اغتيال للمعارضين في أوروبا بما في ذلك النمسا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا.
خاض تجارب انتخابية عديدة، فقد تقدم مرشحًا عن جبهة اليمين المحافظ (ائتلاف الإمام والقيادة) للانتخابات التشريعية عام 1999، لكنه لم يحصد الأصوات المطلوبة، ثم ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2005 لكنه انسحب مبررًا الأمر بكثرة عدد المرشحين ما سيوزع أصوات الناخبين عليهم بشكل كبير.
ولكنه وصل إلى نهائيات السباق الرئاسي عام 2009، فتنافس مع محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي ومهدي كروبي، وبعد أن حصل على المرتبة الثالثة بعد أحمدي نجاد وموسوي، سجّل اعتراضه على النتائج، ولكنه سحبه لاحقًا مفضلًا الابتعاد عن ساحة الصراع التي أدت إلى أزمة داخلية بعد فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية.
مناصب اقتصادية
في عهد الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي تولى رضائي منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، رغم محدودية خبرته في إدارة الاقتصاد، كما تولى رئاسة المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي الذي أنشئ عام 2018 بمرسوم من المرشد علي خامنئي.
ويعرف هذا المجلس أيضًا باسم غرفة العمليات الاقتصادية ويهدف إلى معالجة الأزمة الاقتصادية، وحينها كتبت صحيفة "توسية إيراني" الحكومية تعليقًا على تعيين رضائي في هذه المناصب، وقالت: "إن فريقًا اقتصاديًا بدأ العمل وله سجل من الوعود والسياسات الغريبة، وأن هذه المعطيات ترسم ظروفًا مقلقة لمستقبل الاقتصاد الإيراني".
وخلال الانتخابات الرئاسية التي خاضها أعلن رضائي أنه سيُزيد الدعم النقدي عشرة أضعاف إذا أصبح رئيسًا، كما وعد برفع قيمة الريال الإيراني إلى مستوى الدولار واليورو.
بدأت عملية إعادة ترتيب السلطة داخل النظام منذ الانتخابات البرلمانية عام 2020، ثم تعززت هذه العملية خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2021، فاختار المرشد الإيراني السابق علي خامنئي أعضاء البرلمان وصل إبراهيم رئيسي ومسؤولوه الحكوميون ومن بينهم محسن رضائي إلى السلطة في إطار هذه الترتيبات.