في يوم أمس الرابع من فبراير 2026 استضافت القاهرة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، وهي الزيارة التي تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد، حيث جاءت لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، خاصة المجال الاقتصادي، كما أنها حدثت في سياق عالمي وإقليمي مضطرب يستلزم توحيد الجهود والمواقف المختلفة، وبالتالي فهذه الزيارة تُعتبر زيارة إستراتيجية على كافة المستويات، وسينتُج عنها انتعاش كبير في العلاقات بين مصر وتركيا.
وتأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على المستوى الراهن للعلاقات بين مصر وتركيا، فضلاً عن توضيح المردودات الاقتصادية لهذه الزيارة.
المستوى الراهن
يُمكن التعرف على مستوى العلاقات بين مصر وتركيا من خلال النقاط التالية:
(-) حجم التجارة البينية: أوضح الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا بلغ 6.8 مليار دولار خلال عام 2025، بالمقارنة بـ 6.6 مليار دولار خلال عام 2024. وفي الشكل (1)، اتضح أن حجم الصادرات المصرية إلى تركيا ارتفع من 1.71 مليار دولار إلى 3.20 مليار دولار في عام 2025، أي بنسبة 87.1%. كما ارتفعت الواردات المصرية من تركيا من 3.20 مليار دولار في عام 2020 إلى 3.60 مليار دولار في عام 2025، أي بنسبة 12.5%، وهو ما يوضح أن العلاقات التجارية بين مصر وتركيا اتجهت إلى الانتعاش بشكل كبير.
(-) حجم الاستثمارات المتبادلة: انتعشت الاستثمارات التركية داخل مصر، فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغت قيمة هذه الاستثمارات 175.1 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بـ 165 مليون دولار في العام المالي 2023/2024. وقد أشار الرئيس التركي إلى أن حجم الاستثمارات التركية في مصر وصل إلى 4 مليار دولار، وأن المقاولون الأتراك نفذوا 27 مشروعًا بقيمة 1.2 مليار دولار، ويأملون بالمشاركة في بناء المدن الذكية المُخطط إنشاؤها في إطار رؤية مصر 2035، وهو ما يوضح الاهتمام التركي بزيادة الاستثمارات داخل مصر.
وعلى الجانب الآخر، سجلت الاستثمارات المصرية في تركيا نحو 74 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 54 مليون دولار خلال العام المالي السابق، ومن المرجح أن تشهد هذه الاستثمارات نقلة نوعية في الداخل التركي بعد هذه الزيارة.
مردودات إيجابية للزيارة:
(-) توسيع التعاون في مجال الدواء: قامت مصر بتوقيع مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال تنظيم الأدوية والمستلزمات الطبية، وهو ما سيوفر فوائد اقتصادية كبيرة، إذ تُعد صناعة الدواء من الصناعات الاستراتيجية التي تتطلب الاطلاع على أحدث التقنيات. تستهدف المذكرة تسهيل تسجيل الأدوية التركية في مصر والعكس، وتبادل تكنولوجيا التصنيع الدوائي.
فمصر من أكبر منتجي ومستهلكي الأدوية والمستلزمات الطبية في أفريقيا، حيث يُقدر حجم الاستثمارات في هذا القطاع نحو 7.4 مليار دولار، ويستحوذ القطاع على 24% من القوى العاملة في مصر، مما يوضح أن التعاون المصري-التركي في هذا المجال سيعمل على توطين صناعة من أهم الصناعات الاقتصادية.
(-) تعزيز التعاون التجاري: أشار الرئيس التركي خلال منتدى الأعمال المصري-التركي إلى أن الهدف المشترك هو الوصول إلى حجم تجارة بقيمة 15 مليار دولار، للاستفادة من الإصلاحات الهيكلية التي نفذتها مصر.
وبالنظر إلى الشكل (2)، يتضح أن الواردات المصرية من تركيا تتركز في سلع استراتيجية، إذ بلغت قيمة واردات الوقود نحو 729.3 مليون دولار، والأجهزة الكهربائية نحو 602.2 مليون دولار، والحديد والصلب نحو 514.8 مليون دولار، والقطن نحو 259 مليون دولار، والسيارات نحو 155 مليون دولار، وهو ما يوضح أنه مع تعزيز العلاقات التجارية بين مصر وتركيا ستنتعش تجارة هذه السلع بشكل أكبر، مما يحسن من أسعارها في السوق المصري.
ومن ناحية أخرى، تعتمد تركيا على مصر في العديد من السلع الأساسية، والتي تتمثل في الملابس الجاهزة بقيمة 289 مليون دولار، ومصنوعاتها بنحو 317 مليون دولار، ثم الآلات والأجهزة الكهربائية بقيمة 301 مليون دولار، بينما سجلت صادرات الحديد والصلب نحو 290 مليون دولار، والأسمدة نحو 255.4 مليون دولار، بالإضافة إلى الآلات والأجهزة الكهربائية الأخرى التي بلغت قيمتها نحو 187.2 مليون دولار.
وبناءً على هذه الأرقام، يتضح أنه مع تعزيز العلاقات التجارية بين مصر وتركيا ستنتعش الصادرات المصرية، مما يسهم في تحقيق فائض في الميزان التجاري مع تركيا، وبالتالي زيادة حصيلة الدولة من العملات الأجنبية، وهو ما سيترتب عليه استقرار في سوق الصرف الأجنبي.
(-) تعزيز الصناعات الدفاعية: تُعتبر الصناعات الدفاعية من أهم القطاعات الاستراتيجية للدول، إذ تعمل على تطوير منتجات جديدة ذات تقنيات متقدمة. وقد تم إدراك ذلك في العلاقات المصرية-التركية، حيث تم توقيع اتفاقية إطارية عسكرية تُعدّ الأهم استراتيجيًا، إذ تفتح الباب لتعاون عسكري ودفاعي مباشر بين البلدين، متضمنًا التدريب والتصنيع المشترك.
تركيا في استراتيجيتها لعام 2026 تُركز على الكم والذكاء الاصطناعي، الأنظمة المستقلة، وتقنيات فرط الصوت للاستخدام العسكري، وهو ما سيؤدي إلى نقل هذه التكنولوجيا إلى مصر.
(-) تحقيق الأمن الغذائي: يُعد الأمن الغذائي أحد أهم محاور التنمية المستدامة لمصر، وبالتالي فإن مذكرة التفاهم المتعلقة بـ "الخدمات البيطرية" و"الحجر الزراعي" ستساهم بدرجة كبيرة في هذا الهدف. فالأولى تعمل على تنظيم استيراد وتصدير اللحوم والحيوانات الحية وضمان سلامة الغذاء، بينما تهدف الثانية إلى تسجيل دخول المنتجات الزراعية (الخضار والفاكهة) بين البلدين، وإزالة العقبات الفنية في الموانئ، مما يسهل التجارة الزراعية بينهما بشكل كبير.
(-) توفير فرص العمل: ترتبط التطلعات التركية بزيادة الاستثمارات داخل مصر بتوفير المزيد من فرص العمل، حيث توفر الاستثمارات التركية الحالية نحو 100 ألف فرصة عمل للمواطنين المصريين، وهو ما يشير إلى أن معدلات التشغيل في الاقتصاد المصري سترتفع مع تعميق العلاقات الاستثمارية بين مصر وتركيا، وبالتالي ستنخفض معدلات البطالة عن مستواها الحالي، ويقل الضغط على برامج الحماية الاجتماعية التي تقدمها الدولة.
وعليه، يمكن القول إن زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة تعكس تحولًا لافتًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة تقوم على البراجماتية الاقتصادية وتغليب المصالح المشتركة. فتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة والصناعة لا يحقق مكاسب مباشرة للاقتصادين المصري والتركي فحسب، بل يسهم أيضًا في إعادة رسم خريطة الشراكات الإقليمية في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
ومع استمرار التحديات الاقتصادية العالمية، تبدو هذه الزيارة خطوة عملية نحو بناء شراكة اقتصادية أكثر توازنًا واستدامة، قادرة على دعم جهود النمو، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في كلا البلدين على المدى المتوسط والطويل.