شكَّك متخصصون في مجالي الطاقة ووثائق التأمين في خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتأمين ناقلات النفط في الخليج، ما يعقِّد جهود إدارته لكبح جماح ارتفاع أسعار النفط الناجم عن حربه في إيران.
وكلف ترامب، الثلاثاء الماضي، مؤسسة تمويل التنمية (DFC) بتوفير التأمين للسفن التي تبحر عبر مضيق هرمز، حيث تباطأت التدفقات إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب مع إيران.
في البداية، أسهم تعهد الرئيس الأمريكي بتوفير التأمين -وربما المرافقة البحرية- للسفن التي تمر عبر الممر المائي ذي الوضع الحرج في تهدئة أسواق الطاقة، لكن البورصات في وول ستريت ولندن ألقتا بظلال من الشك على خطته، ما أثار مخاوف جديدة بشأن أمن الإمدادات، كما تشير صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
وأظهرت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة "جي بي مورجان" أن مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية لديها إمكانية الوصول إلى 154 مليار دولار فقط من أصل 352 مليار دولار اللازمة لتغطية تكاليف 329 سفينة نفط في المنطقة.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن محللة الطاقة في "جي بي مورجان" ناتاشا كانيفا، أنه "سيتطلب الوصول إلى المبلغ كاملًا لتغطية تلوث النفط والإنقاذ والهيكل والمسؤولية تجاه الغير في حالة الخسارة الكلية، ما يعني نحو 352 مليار دولار من الحد الأقصى للتغطية التأمينية التي لا توفرها الأسواق الخاصة حاليًا".
مخاطر تأمينية
في وقت سابق، ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن شركات التأمين الخاصة أبلغت مالكي السفن في الأيام الأخيرة أنها ستلغي وثائق التأمين وسترفع الأسعار بشكل حاد مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط.
وقال مسؤولون في سوق التأمين إنهم يشككون في أن ميزانية مؤسسة تمويل التنمية كبيرة بما يكفي لتغطية القيم المعرضة للخطر، أو أن الوكالة الأمريكية ستكون "مرنة بما يكفي" لمساعدة ناقلات النفط المتوقفة عن العمل في الحصول على تغطية تأمينية في الأيام المقبلة.
لكن التقرير نقل عن ماكسيميليان هيس، مؤسس شركة Enmetena Advisory، وهي شركة استشارية في مجال المخاطر السياسية تقدم المشورة لشركات التأمين في لندن، أن مؤسسة تمويل التنمية في الولايات المتحدة "ليست مهيأة للتعامل مع المخاطر قصيرة الأجل، وليس لديها أي خبرة في هذا النوع من الأعمال".
أوضح: "بإمكانها تقديم تغطية إعادة التأمين بموجب صلاحياتها القانونية، وأتصور أنه إذا أراد ترامب حدوث ذلك، فهذا هو السبيل الوحيد المتاح.. الأمر ليس بهذه البساطة".
ولا يُسمح لمؤسسة تمويل التنمية الدولية إلا بحد أقصى إجمالي للالتزامات يبلغ 205 مليارات دولار حتى عام 2031، أنفقت منها 51.5 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025، وفقًا لبيانات "جي بي مورجان"، ويتطلب رفع هذا الحد قانونًا من الكونجرس.
يشير التقرير إلى أن هذه الأرقام ستقوض جهود الرئيس الأمريكي لغرس الثقة في مسؤولي الشحن الذين كانوا مترددين في إرسال السفن عبر مضيق هرمز، وهو نقطة حركة لنحو 20 مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط، أي ما يقرب من خُمس الطلب العالمي.
ارتفاع الأسعار
منذ بدء الحرب السبت الماضي، لم تعبر المضيق سوى 40 ناقلة نفط، وهو عدد ضئيل مقارنةً بحركة الملاحة المعتادة.
وارتفعت أسعار النفط الخام الأمريكي بنسبة تقارب 20%، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ يوليو 2024، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين في الولايات المتحدة. ويهدد هذا الارتفاع بتفاقم أزمة القدرة على تحمل التكاليف التي أدت إلى تراجع شعبية ترامب.
كما ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بنسبة 50% لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، بينما ارتفع سعر خام برنت (المعيار الدولي للنفط) بنسبة 5% تقريبًا ليصل إلى 85.17 دولار أمس الخميس، وبنسبة 17% منذ الجمعة الماضي.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن مؤسسة تمويل التنمية الدولية ووزارة الخزانة "تتحدثان مع شركات التأمين وأجرتا تحليلات مكثفة حول الوضع البحري في الخليج"، زاعمًا أن دراسة "جي بي مورجان" تستند إلى افتراضات خاطئة حول التغطية التأمينية المطلوبة فعليًا في المنطقة، وكيف سيتم تنظيم التغطية التأمينية المحتملة لمؤسسة التمويل الإنمائي.
أضاف: "سيتم الإعلان عن المزيد من الأمور المتعلقة بهذه الأولوية الرئاسية، لكن الإدارة واثقة من أن مؤسسة تمويل التنمية الدولية لديها الموارد اللازمة لسد الفجوة".
كما تأثرت صناعة الشحن بشكل خطير منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الأولية على إيران، إذ سارعت شركات التأمين إلى إرسال إشعارات الإلغاء ورفع أقساط التأمين، وفي بعض الحالات حصلت السفن على تغطية جديدة بأسعار تفوق أضعاف أسعار وثائق التأمين السابقة، لكن موجة الإلغاءات شكلت صدمة للسوق، حسبما قال خبراء الأمن البحري، ما أدى إلى تباطؤ حركة المرور عبر الخليج.
وبحلول منتصف الأسبوع، ظل التأمين متاحًا لكن الأسعار ارتفعت بما يصل إلى 12 ضعفًا، إذ رفضت بعض شركات التأمين تقديم التغطية عبر المضيق.