بعد عقود من الاستثمار في بناء شبكة واسعة من القواعد العسكرية المحصَّنة تحت الأرض لحماية ترسانتها الصاروخية، تبدو الإستراتيجية الإيرانية المعروفة بـ"مدن الصواريخ" اليوم أمام اختبار صعب مع تصاعد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فمع بدء الصراع، بدأت الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية والطائرات المُسيَّرة المسلحة في استهداف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لحظة خروجها من المخابئ تحت الأرض لإطلاق الصواريخ، ما حوَّل هذه المنشآت التي صُممت للحماية إلى نقاط مراقبة سهلة نسبيًا للهجمات الجوية، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.
قواعد ضخمة
أمضت طهران سنوات طويلة في بناء عشرات القواعد الصاروخية داخل أنفاق ومجمعات ضخمة تحت الجبال، بهدف حماية آلاف الصواريخ من الضربات الجوية، وتضم هذه المنشآت مخازن للصواريخ وممرات طويلة تسمح بمرور الشاحنات العسكرية ومنصات الإطلاق المتحركة.
لكن صور الأقمار الصناعية التي التُقطت خلال الأيام الأخيرة أظهرت بقايا صواريخ ومنصات إطلاق مدمَّرة بالقرب من مداخل هذه القواعد، بعد ضربات جوية نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
تراجع إيراني
منذ بداية الصراع، أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ باليستي إلى جانب نحو 2000 طائرة مُسيَّرة باتجاه إسرائيل وقواعد أمريكية وأهداف في منطقة الخليج، وفق تقديرات حكومية في المنطقة.
ورغم هذه الهجمات، تشير المعطيات إلى تراجع وتيرة الضربات الصاروخية الإيرانية في الأيام الأخيرة، وهو ما يراه محللون دليلًا على أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية بدأت تؤثر على قدرة طهران على الرد.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن قائد عسكري أمريكي قوله إن "القوات الأمريكية تعمل على تعقب ما تبقى من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية بهدف تقليص قدرة طهران على تنفيذ هجمات إضافية".
استهداف المنصات
يعتمد التكتيك الأمريكي والإسرائيلي على إبقاء طائرات استطلاع تحلق فوق مواقع القواعد الصاروخية المعروفة، ومهاجمة منصات الإطلاق فور خروجها من الأنفاق لإطلاق الصواريخ.
ويرى محللون عسكريون أن هذه الإستراتيجية تكشف أحد العيوب الأساسية في فكرة "مدن الصواريخ"، إذ إن الصواريخ ومنصات الإطلاق تصبح مكشوفة بمجرد مغادرتها المخابئ.
وبحسب خبراء، فإن ما كان سابقًا سلاحًا متحركًا يصعب تعقبه أصبح اليوم هدفًا أسهل للرصد والاستهداف مع تطور تقنيات الاستطلاع والأقمار الصناعية.
ضربات متعددة
تشير تحليلات صور الأقمار الصناعية إلى أن عدة قواعد صاروخية تعرضت للقصف، خاصة في جنوب إيران. كما أظهرت صور أخرى منصات إطلاق دمرت في وديان قريبة من بعض القواعد بعد خروجها من الأنفاق.
وفي بعض الحالات، استهدفت الضربات الجوية مداخل الأنفاق نفسها باستخدام قنابل ثقيلة قد تؤدي إلى إغلاقها أو تدمير البنية التحتية فوق الأرض، ما يحد من قدرة القوات الإيرانية على استخدام القواعد بفعالية.
مدن الصواريخ
ظلّت المعلومات حول ما يسمى بـ"مدن الصواريخ" الإيرانية محاطة بالغموض لسنوات، وفي مارس 2025 نشرت طهران مقطع فيديو قالت إنه يظهر منشأة صاروخية ضخمة تحت الأرض حيث ظهر قادة عسكريون يسيرون داخل ممرات طويلة مليئة بشاحنات تحمل صواريخ، لكن الفيديو لم يكشف موقع المنشأة، ما زاد من الغموض حول الحجم الحقيقي لهذه القواعد.
في بعض المواقع، أنشأت إيران صوامع إطلاق بدائية داخل الجبال تسمح بإطلاق الصواريخ دون إخراجها إلى السطح، ويعتقد أن قاعدة قرب بلدة خورموج جنوبي إيران تضم نحو 9 صوامع إطلاق تحت الأرض موجهة نحو الخليج العربي.
ورغم ذلك، يرى خبراء أن إيران تخلَّت إلى حد كبير عن فكرة إطلاق الصواريخ من الصوامع تحت الأرض، بسبب الصعوبات التقنية في إعادة استخدامها بعد الإطلاق.
وبينما تستمر الضربات الجوية في استهداف البنية التحتية لهذه القواعد، تبقى "مدن الصواريخ" الإيرانية أحد أهم عناصر القوة العسكرية لطهران، لكنها في الوقت نفسه تمثل هدفًا رئيسيًا في أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق.