يعكس التصعيد الأمريكى ضد إيران في الآونة الأخيرة من خلال ممارسة الضغوط القصوى، والتي تُعَدّ نهجًا أمريكيًا متبعًا منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب والتي دفعت به للإعلان عن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في 2015، مرورًا بحرب الـ 12 يومًا، بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025،والتي شهدت انخراطًا أمريكيًا شنت فيه القوات الأمريكية هجومًا على مرتكزات البرنامج النووي الإيراني في فوردو ونطنز وأصفهان، وأعلن حينذاك الرئيس الأمريكي ترامب عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، وصولًا إلى التصعيد الحالي بين الجانبين من خلال دعم المظاهرات الإيرانية التي اندلعت ضد النظام في مختلف المناطق، واستعراض الولايات المتحدة الأمريكية لقدراتها العسكرية على حدود إيران، وفي المناطق الإستراتيجية المجاورة لها برًا وبحرًا وجوًا، واستنفار القوات الأمريكية المنتشرة في إقليم الشرق الأوسط.
وبدا أن رقعة الإقليم تكاد تتحول إلى مسرح عمليات عسكرية، من خلال تدفق واضح للمدمرات وحاملات الطائرات الأمريكية وإعادة انتشار للقوات. في المقابل اتجه النظام الإيراني إلى التصعيد من خلال إجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية داخل مضيق هرمز، وهي الرسالة التي تسعى إيران لتؤكد من خلالها قدرتها على إغلاق المضيق وما يمثله من شريان إستراتيجي لإمدادات الطاقة إلى الدول الغربية، فضلًا عن إعلان إيران بأن استهدافها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية سيجعل من القوات والقواعد الأمريكية المنتشرة في الإقليم، لا سيما في منطقة الخليج العربي، هدفًا مشروعًا. هذا التصعيد المتبادل الأمريكي الإيراني وصول لحافة الهوية، ويثير تساؤلًا مركزيًا حول دوافع التصعيد الأمريكي ضد إيران ومداه؟
دوافع متنوعة
تتنوع دوافع التصعيد الأمريكي ضد إيران، والتي يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:
(*) ترجمة الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي 2025: يبدو أن الرئيس ترامب يُعَد من أسرع الرؤساء الأمريكيين ترجمةً لأفكارهم ورؤيتهم على أرض الواقع، فلم يكد يمر أقل من شهر على الإعلان عن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكى، والتي صدرت في الرابع من ديسمبر 2025، حتى قامت القوات الأمريكية بتنفيذ عملية نوعية داخل الأراضي الفنزويلية في 3 يناير 2026 باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، واقتيادهما للمحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، في ترجمة سريعة على أرض الواقع لإعادة إحياء "مبدأ مونرو" بوصفه عقيدة حاكمة للسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. وهو المبدأ، الذي أُعلن عام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في شؤون قارة أمريكا اللاتينية، في عهد دونالد ترامب، وهو عودة عملية وصريحة إلى منطقه الإمبراطوري، إذ تعاملت إدارته مع أمريكا اللاتينية؛ باعتبارها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، واعتبرت النفوذين الروسي والصيني في المنطقة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي يجب مواجهته بحسم. وتماشيًا مع ذلك التوجه، ومع ما تضمنته الإستراتيجية من اعتبار إيران دولة تشكل تهديدًا للأمن الإقليمي، جاء التصعيد الأمريكي الأخير ليشكل أحد ملامح تنفيذ الإستراتيجية على أرض الواقع في الشرق الأوسط، في محاولة أمريكية لإسقاط النظام الإيراني من خلال تكثيف ضغوط الخارج من خلال ذلك التصعيد العسكري، وكذلك مساندة ودعم الانتفاضة ضد النظام من الداخل، وهو ما تجلى في تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب بتحذير النظام الإيراني من قتل المتظاهرين. فيما اتهمت إيران الولايات المتحدة الأمريكية بمساندة المتظاهرين لإسقاط النظام.
(*) منع إيران من امتلاك السلاح النووي: يشكل منع إيران من امتلاك السلاح النووي أحد الدوافع الرئيسية للتصعيد الأمريكي ضد إيران، لا سيما وأن الرئيس ترامب، وفي إطار سياسته التي تبناها خلال ولايته الأولى من ممارسة الضغوط القصوى على إيران، أصدر قراره بالإنسحاب الأمريكي من الاتفاق النووى، والذي سبق وأن تم التوقيع عليه في عام 2015 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران، وبريطانيا، وألمانيا، وذلك في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والتزمت ببنوده إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. ويرجع بعض الخبراء ذلك التصعيد أيضًا ذلك في إطار الإخفاق الأمريكي الداعم لإسرائيل بعد المواجهات العسكرية الإسرائيلية الإيرانية، وفشل منظومة القبة الحديدية ومقلاع داوود وغيره من المنظومات في التصدي لقدرات الصواريخ الإيرانية الباليستية بعيدة المدى، والتي وصلت لعمق إسرائيل. صحيح أن إسرائيل أيضًا نجحت في اختراق إيران من خلال تنفيذ عمليات نوعية بتصفية قادة عسكريين وعلماء للذرة إيرانيين، وهو ما عكس انكشافًا إستراتيجيًا غير متوقع لإيران، إلا أن نجاح الصواريخ الإيرانية في الإفلات من منظومات الدفاع الإسرائيلية، وفي مقدمتها القبة الحديدية، أثبت أن لدى طهران قدرات صاروخية طورتها برغم الحصار المفروض عليها من الولايات المتحدة يستطيع مداه أن يصل إلى تل أبيب ذاتها. وما يعنيه ذلك الواقع من تهديد مباشر لإسرائيل التي تدخل ترامب لمساندتها عسكريًا في حرب يونيو 2025 بعد الانخراط الأمريكي المباشر في الحرب بتوجيه ضربات مؤثرة ضد مرتكزات البرنامج النووي الإيراني في فوردو ونطنز وأصفهان. وهي الحرب أيضًا التي عكست الضعف الإسرائيلي عن حسم أي من صراعاتها في الشرق الأوسط من دون مساعدة أمريكية.
(*) محورية النفط في المعادلة الأمريكية: أضحى النفط أحد ركائز توجهات السياسة الخارجية لترامب، وهو ما أشار إليه علانية بعد عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو في 3 يناير 2025، بأن الولايات المتحدة ستضع يدها على النفط في فنزويلا، وسيسمح لشركات النفط الأمريكية بالاستثمار المكثف في ذلك القطاع. وهو الأمر الذي سبق وأن حذر منه مادورو، والذي لطالما ردد أن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على ثروات بلاده الطبيعية. وهو ما دفعه للقول في شهر نوفمبر 2025 إن فنزويلا تُستهدَف لأنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ورابع أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، وأكثر من 30 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة"، مضيفًا "لو لم تكن لدينا هذه الثروات ولم نكن في موقع إستراتيجي لما ذكر أحد اسم فنزويلا. تماشيًا مع ذلك التوجه، فإن نجاح ترامب في إسقاط النظام الحالي في إيران ، واستبداله بنظام آخر أكثر توافقًا مع السياسة الأمريكية في المنطقة سيعني شراكات اقتصادية جديدة، بالتأكيد سيكون النفط والغاز في مقدمة بنودها، لا سيما وأن إيران وفنزويلا تمتلكان معًا أكثر من 500 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة، أي ما يقارب 30% من الاحتياط النفطي العالمي، في حين لا تمتلك الولايات المتحدة سوى 74 مليار برميل أي أقل من 4% من الاحتياطي العالمي من النفط. ومن ثم فإن فنزويلا التي تمتلك وحدها نحو 303 مليارات برميل كأكبر احتياطي نفطي عالمي، وإيران صاحبة ثالث أكبر احتياط عالمي من النفط بنحو 209 مليارات برميل. يجعلهما في مرمى النيران الأمريكية، بما يجعل من تحركات ترامب سواء باختطاف مادورو من فنزويلا، والتصعيد العسكري المتنامي ضد إيران لإسقاط النظام إستراتيجية مدروسة تقوم على البحث عن المصالح الأمريكية، حتى وإن كانت على حساب استقرار الشعوب. وهو ما حدث من قبل باحتلال العراق في أبريل 2003 تحت ذرائع واهية لنشر الديمقراطية، ولكن كان الهدف الأمريكي الحقيقي هو إحكام السيطرة على النفط العراقي.
(*) إعادة انتاج الهيمنة الأمريكية: تسعى الولايات المتحدة الأمريكية من تصعيدها المتزايد في إقليم الشرق الأوسط سواء من خلال الانخراط المباشر في صراعات الإقليم، كما حدث في حرب يونيو 2025، بين إسرائيل وإيران أو من خلال التصعيد الحالي ضد إيران بهدف الحفاظ على هيمنتها السياسية والعسكرية على تفاعلات النظام الدولي، وإن كانت ثمة تعددية اقتصادية دولية تحت التشكل. فالرئيس ترامب وفق رأي عدد من الخبراء المعنيين بالشأن الأمريكي يتبنى خطة إستراتيجية داخليًا وخارجيًا لإعادة هندسة الدولة والمجتمع في الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك إعادة بلورة التوجهات الخارجية الأمريكية، بما يسهم في نهاية المطاف إلى استمرار الهيمنة الأمريكية أو بالأحرى إعادة إنتاجها ذاتيًا للحفاظ على المصالح الأمريكية، إدراكًا لأن التكلفة الحالية للحفاظ على الهيمنة أقل كثيرًا بالنسبة للولايات المتحدة، مقارنة إذا أضحى النظام الدولي متعدد الاقطاب. لذلك هناك تقطير اقتصادى أمريكي عالمي تجلى في الانسحابات الأمريكية من مجلس حقوق الانسان الدولي، ومنظمة الصحه العالمية، والأنروا، وكذلك من 66 منظمة دولية تابعه للأمم المتحدة، وهو الأمر الذي جعل مسؤولين في الأمم المتحدة يصرحون بأن المنظمة تواجه وضعًا تمويليًا صعبًا لم تواجهه منذ نشأتها. هذا الوضع يصل برسالته من الولايات المتحدة للعالم ويذكره بمحورية الهيمنة الاقتصادية الأمريكية. في مقابل التقطير الاقتصادي ثمة تمدد عسكري وسياسي أمريكي خارجي نلحظه في أمريكا اللاتينية ضد فنزويلا، وفي الشرق الأوسط ضد إيران، وفي الإندوباسيفيك ضد الصين من خلال تعزيز التحالفات مع الحلفاء مثل تحالفات كواد، وأوكوس. وكذلك تحالف باكس سيلكا لمنع الصين من الوصول إلى المعادن النادرة.
(*) رسائل للخصوم: يمثل التصعيد الأمريكي ضد إيران رغبة أمريكية في توجيه رسائل للخصوم، أولها أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تنسحب من الشرق الأوسط، وأنها فاعل رئيسي ومؤثر في تفاعلاته؛ نظرًا لمحوريته في الإستراتيجية الأمريكية، وأنه تراجع لصالح دوائر أخرى. وثانيها أن الشراكات الإستراتيجية التي عقدتها إيران مع دول كبرى، مثل الصين أو روسيا، لا تخرج عن كونها تبادلًا للمنافع الاقتصادية، هاتان القوتان لا يملكان سوى بيانات الشجب أو التنديد من دون تدخل فعلى أو التلويح بأدوات الردع لحماية حليفهما. وثالث تلك الرسائل هي لإيران، مفادها أن الولايات المتحدة لا زالت هي الضامن الرئيسي لأمن إسرائيل، وأن استمرار النظام الإيراني الحالي وفق الرؤية الأمريكية يمثل تهديدًا لإسرائيل، التي تسعى الولايات الأمريكية للحفاظ على أمنها ومواجهة أي تهديدات له.
مجمل القول، يشكل تصعيد حافة الهاوية الأمريكي الإيراني سعيًا للوصول إلى نقطة توازن تؤدي إلى مسارين لا ثالث لهما، الأول خيار السلام من خلال المفاوضات بين الطرفين ومن خلال وساطات إقليمية ودولية أو مسار الحرب وهو المسار الأصعب والأكثر تكلفة على الجانبين وعلى الإقليم برمته، ليظل هذا السيناريو مفتوحًا على جميع الاحتمالات. ويبقى العنصر الحاسم في ذلك المشهد، هو مدى مناعة الداخل الإيراني، وقدرتها على توظيف تماسك الداخل لترجيح أي من السيناريوهين، وإصرار أمريكي على إسقاط النظام الإيراني من دون الدخول في فوضى إقليمية، فهل يتحقق ذلك أيهما ويعلو صوت الحكمة أم تُقرع طبول الحرب التي لم تهدأ على تخوم الإقليم منذ نشأته.