وقَّعت وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون" عقدًا بقيمة 210 ملايين دولار مع شركة "تومر" الإسرائيلية المملوكة للدولة لشراء قذائف عنقودية متطورة، في صفقة تُعد الأكبر من نوعها لشراء أسلحة من إسرائيل منذ 18 عامًا، بحسب ما كشفته مجلة "ذي إنترسبت" الأمريكية.
صفقة سرية تعكس اتجاه تدفق السلاح
أُبرمت الصفقة في سبتمبر الماضي بشكل سري دون مناقصة علنية، مستفيدة من استثناء "المصلحة العامة" في القانون الفيدرالي، في انعكاس غير معتاد لاتجاه نقل الأسلحة بين واشنطن وتل أبيب.
وبموجب العقد، ستدفع الولايات المتحدة للشركة الإسرائيلية على مدى ثلاث سنوات لإنتاج ذخيرة عيار 155 ملم تُعرف باسم XM1208، مصممة لتحل محل القذائف العنقودية القديمة المعيبة التي خلّفت متفجرات غير منفجرة في فيتنام ولاوس والعراق ودول أخرى.
واعتبرت جوليا جليدهيل، الباحثة في مركز ستيمسون للأبحاث، هذا الأمر "غير معتاد تمامًا"، مشيرة إلى أنها لم تشهد "عقدًا حصريًا لمقاول عسكري أجنبي بهذا الحجم من قبل".
أسلحة محظورة دوليًا
تُصنف الذخائر العنقودية ضمن الأسلحة الأكثر فتكًا بالمدنيين، إذ تستمر خطورتها لسنوات بعد انتهاء القتال عندما يعود السكان إلى حقولهم ومنازلهم التي تنتشر فيها قنابل قابلة للانفجار دون سابق إنذار.
ووصفت ألما تاسليدجان، مديرة المناصرة في منظمة "الإنسانية والإدماج" المناهضة للذخائر العنقودية، آثار هذه الأسلحة بأنها "مروعة"، مستشهدة وفق ما نقلته "ذي إنترسبت" بقصة فتى بوسني يبلغ 17 عامًا عثر على قنبلة عنقودية غير منفجرة في حديقة جاره بعد الحرب البوسنية، وظل يلعب بها قبل أن تنفجر فجأة مما أدى لفقدانه يديه وجزءًا من وجهه.
وحسب "مرصد الذخائر العنقودية"، جرى توثيق أكثر من 24800 إصابة ووفاة منذ الستينيات، ثلاثة أرباعها ناجمة عن مخلفات غير منفجرة.
وفي عام 2024 وحده، قتلت هذه الذخائر ما لا يقل عن 314 مدنيًا، معظمهم في أوكرانيا.
ويؤكد برايان كاستنر، محقق الأسلحة والضابط السابق في سلاح الجو الأمريكي، أن هذه الأسلحة "عشوائية بطبيعتها"، مشددًا على أنه "لا توجد طريقة لاستخدامها بمسؤولية، إذ لا يمكن التحكم في أماكن سقوطها، ومع معدل الفشل المرتفع لا يمكن السيطرة على تأثيرها على السكان المدنيين لاحقًا".
ادعاءات الأمان تصطدم بالواقع الميداني
صُمِّمت ذخيرة XM1208 بمعدل فشل مستهدف أقل من 1%، معتمدة على صمامات معقدة وميزات تدمير ذاتي لتقليل الخطر طويل الأمد على المدنيين، وفقًا لوثائق المشتريات العسكرية الأمريكية، إلا أن الباحثين يؤكدون أن معدلات الفشل المنخفضة في الاختبارات لا تعكس الأداء الفعلي في الميدان.
ووجد باحثون من منظمة "المساعدات الشعبية النرويجية" عند تحليلهم لآثار ضربات الذخيرة الإسرائيلية M85 في حرب لبنان 2006، أن نحو 10% منها فشلت في الانفجار، رغم أن الشركة المصنِّعة روَّجت لمعدل فشل أقل من 0.1%.
وتشير "تاسليدجان" إلى أن معدلات الفشل الحقيقية أعلى بكثير من نتائج الاختبارات المُتحكم بها، والتي لا تأخذ في الاعتبار ظروف المعركة كالتربة الناعمة أو الصمامات القديمة المتدهورة.
معاهدة دولية تتجاهلها القوى الكبرى
وقعت 112 دولة على اتفاقية حظر الذخائر العنقودية عام 2008، والتي تحظر استخدام أو إنتاج هذه الأسلحة، لكن القوى العسكرية الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل والهند وباكستان لم توقع على الاتفاقية.
وبدلًا من التوقيع، سنَّت واشنطن سياسة في 2008 لوقف استخدام ذخائرها العنقودية القديمة بحلول 2019 وتطوير أسلحة جديدة بمعدل فشل أقل من 1%، لكن التقدم كان بطيئًا، وفي 2017 تراجعت عن سياستها للسماح باستمرار استخدام القنابل العنقودية القديمة.
وتؤكد تاسليدجان أنه حتى لو حققت XM1208 معدل الفشل المستهدف 1%، فستظل "غير إنسانية"، تاركة أعدادًا كبيرة من القذائف الفاشلة القاتلة، مضيفة: "لهذا السبب تحظر اتفاقية الذخائر العنقودية هذه الأسلحة كفئة كاملة، فالآثار المساحية والتلوث المتبقي غير متوافقين جوهريًا مع حماية المدنيين".
صفقة مربحة
تشهد أعمال شركة "تومر" ازدهارًا كبيرًا بسبب الحرب على غزة ومبيعات الأسلحة الخارجية، حسبما أفاد موقع "كالكاليست" الإسرائيلي.
وسجلت الشركة مبيعات بقيمة 173 مليون دولار العام الماضي، ما يجعل عقد البنتاجون البالغ 210 ملايين دولار مكسبًا ضخمًا مقارنة بإيراداتها التاريخية.
وتدفع "تومر" للحكومة الإسرائيلية 50% من أرباحها كأرباح موزعة، وفقًا لـ"كالكاليست".