تشهد العلاقة بين ألمانيا والولايات المتحدة تحولات عميقة، كما يراها مسؤولون حاليون وسابقون وخبراء وسياسيون ومواطنون ألمان، وفق صحيفة "فايننشال تايمز"، وذلك في ظل توترات متراكمة داخل التحالف عبر الأطلسي، وتبدل المزاج الشعبي والسياسي، وانعكاسات ذلك على أمن أوروبا ودور ألمانيا الدولي.
جذور أطلسية
ورأى "فولفجانج إيشينجر" الرئيس الألماني لمؤتمر ميونيخ للأمن، الذي ينطلق في 13 فبراير، والذي شغل منصب سفير ألمانيا لدى الولايات المتحدة، أن أولى مؤشرات الاغتراب الأمريكي عن أوروبا ربما ظهرت خلال الغزو الأمريكي للعراق، عندما تحدثت واشنطن عن "أوروبا القديمة" و"أوروبا الجديدة"، في إشارة إلى الانقسام داخل القارة.
ويقول "إيشينجر" إن هذا الخطاب الأمريكي عن أوروبا خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مثّل لحظة إنذار مبكرة حول استعداد الولايات المتحدة لإحداث شرخ داخل أوروبا خدمة لسياساتها، وهو ما انعكس لاحقًا على تماسك العلاقات عبر الأطلسي.
صدمة ألمانية
تشير كلوديا ماجور، نائبة الرئيس الأولى في صندوق مارشال الألماني، إلى أن العلاقة عبر الأطلسي ذات بُعد عاطفي عميق في ألمانيا مقارنة بفرنسا أو بريطانيا، نظرًا لدور واشنطن في إعادة بناء البلاد بعد الحرب.
وتوضح ماجور أن الولايات المتحدة علمت الألمان الديمقراطية ومنحتهم الثقة بعد فظائع الحرب العالمية الثانية، وهو ما يجعل الشعور الحالي بالخيانة أكثر حدة داخل المجتمع الألماني.
وفي ديسمبر، قال فريدريش ميرز، المستشار الألماني الحالي والرئيس السابق لمنظمة أتلانتيك بروكه، إن عقود السلام الأمريكي في أوروبا انتهت إلى حد كبير، معتبرًا أن تجاهل واشنطن للنظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية يمثل صدمة خاصة لألمانيا.
إرث ما بعد الحرب
يؤكد كارستن فويغت، المفوض السابق للتعاون الألماني الأمريكي، أن السياسة الخارجية الألمانية بعد الحرب كانت محددة بالعلاقة مع واشنطن، التي امتلكت نفوذًا حاسمًا بوصفها قوة احتلال رئيسية.
وطورت الحكومات الألمانية الغربية علاقات أوثق مع الولايات المتحدة مقارنة بجيرانها، رغم فترات توتر ظهرت خلال حرب فيتنام ونشر الصواريخ النووية في الثمانينيات وغزو العراق.
ويشير نوربرت روتغين، النائب البارز في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، إلى أن المشاعر المعادية لأمريكا تراجعت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، مع تحول أحزاب مثل الخضر إلى دعم كييف بقوة.
أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث ومؤسسة كوربر، في ديسمبر، أن 27 بالمئة فقط من الألمان وصفوا العلاقات مع الولايات المتحدة بالجيدة، مقارنة بنحو 75 بالمئة في العام السابق.
كما أظهر استطلاع لمؤسسة فورسا أن 71 بالمئة من الألمان ينظرون إلى الولايات المتحدة كخصم لا كشريك، خاصة بعد تهديدات ترامب بالاستيلاء على غرينلاند.
يرى روتغين أن العداء الأمريكي الأخير لحلفائه الأوروبيين يمثل نقطة تحول تاريخية ثانية بعد حرب روسيا لأوكرانيا عام 2022.
قاعدة رامشتاين
وبدأت الشكوك تظهر حول مستقبل العلاقة بين أمريكا وألمانيا تظهر في مدينة كايزرسلاوترن الألمانية، التي تضم قاعدة رامشتاين أكبر قاعدة أمريكية خارج أمريكا، رغم اعتماد الاقتصاد المحلي في المدينة على وجود نحو 50 ألف جندي أمريكي وعائلاتهم.
وتعمل السلطات المحلية على توفير بيئة مرحبة للأمريكيين، مع جلسات تعريفية ونصائح ثقافية، بينما تنتشر مطاعم ومحال موجهة خصيصًا للوجود الأمريكي.
تقول بيات كيميل، عمدة المدينة، إن كايزرسلاوترن كانت دائمًا مضيفًا جيدًا، رغم تزايد القلق بشأن مستقبل القاعدة العسكرية في المدينة.
وينتظر المسؤولون الأوروبيون نتائج مراجعة البنتاجون للوضع العالمي، والتي ستحدد مصير 80 ألف جندي أمريكي في أوروبا، بينهم 37500 في ألمانيا.
ويشك ديفيد سيراكوف، رئيس أكاديمية أتلانتيك، في تعرض قاعدة رامشتاين للخطر، مؤكدًا أن أهميتها تمتد إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، وليس أوروبا فقط.
يرى سيراكوف أن جاذبية أمريكا للشباب الألماني كانت تتراجع حتى قبل ترامب، ويشير إلى أن الأجيال الأكبر تتذكر خطابات كينيدي وريجان، بينما تتذكر الأجيال الشابة جوانتانامو وحرب العراق وجورج دبليو بوش.
إعادة تسلح
يحظى مشروع ميرز لبناء أكبر جيش نظامي في أوروبا بدعم واسع من المحافظين والخضر والديمقراطيين الاجتماعيين، مع استمرار الجدل حول مدى الاستقلال عن الولايات المتحدة.
ويحذر صناع القرار من أن تسريع هذا التوجه قد يؤدي إلى انسحاب أمريكي أوسع وخلق فجوة في الردع، مقابل آمال بأن تكون إدارة ترامب حالة استثنائية، إذ أكد ميرز أمام البرلمان أن حلف الناتو يظل الضمان الأفضل للأمن، مع التشديد على أن الشراكة لا تعني التبعية.
يحذر مسؤول في صندوق مارشال الألماني من وهم عودة الأمور إلى ما كانت عليه، مع إمكانية الوصول إلى علاقة أكثر استقرارًا وإن كانت مختلفة.
وتقول جوليا فريدلاندر، الرئيسة التنفيذية لمنظمة أتلانتيك بروكه، ومستشارة الأمن السابقة في إدارة ترامب، إن الوقت حان لتخلي ألمانيا عن العاطفية.