في الوقت الذي تواجه فيه أوروبا تهديدات أمنية متصاعدة من روسيا، تفشل دولتان محوريتان في القارة بتحويل مصالحهما المشتركة إلى شراكة فعلية، إذ تغرق العلاقات البولندية-الألمانية في أسوأ حالاتها منذ عقود، وفقًا لتحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.
شراكة إستراتيجية مُعطَّلة
تشير "فورين بوليسي" إلى أن بولندا وألمانيا تمتلكان كل المقومات لتشكيل محرك جديد للتكامل الأوروبي، إذ إن بولندا تتصدر دول أوروبا في الإنفاق الدفاعي نسبةً إلى ناتجها المحلي، فيما تسارع ألمانيا، القوة الاقتصادية التقليدية للقارة، لزيادة ميزانيتها العسكرية.
كلا البلدين يدركان عمق التهديد الروسي، خاصةً مع تعرُّض بولندا لهجمات هجينة بطائرات مُسيَّرة روسية، وحملات تضليل أكثر من أي دولة أوروبية أخرى.
لكن رغم وجود تعاون عسكري محدود، مثل مشاركة ألمانيا في مشروع "الدرع الشرقي" البولندي لتحصين الحدود مع بيلاروسيا، فإن هذا التعاون يبقى متعثرًا والجميع يدفع الثمن.
ملف التعويضات
يظل شبح الحرب العالمية الثانية هو العائق الأكبر أمام تطور العلاقات، ففي عام 2022، أصدرت حكومة حزب القانون والعدالة اليميني المتشدد، الذي حَكَم بولندا من 2015 إلى 2023، تقريرًا يطالب بتعويضات بقيمة 1.3 تريليون دولار عن الاحتلال النازي، وهو مبلغ يفوق ثلاثة أضعاف الموازنة الفيدرالية الألمانية السنوية، حسبما تورد المجلة.
كما وافق البرلمان البولندي على المطالبة بهذه التعويضات بأغلبية ساحقة، بما في ذلك حزب المنصة المدنية الوسطي بقيادة دونالد توسك.
وحتى بعد وصوله لرئاسة الحكومة عام 2023، لم يتخلَّ توسك عن هذا الملف؛ خوفًا من اتهامه بـ"الانحياز للألمان" في بلد مُنقسِم سياسيًا تُستغَل فيه ذاكرة التاريخ لأغراض انتخابية.
ترفض برلين هذه المطالب بشكل قاطع، مؤكدة أن بولندا تنازلت عن حقها في التعويضات عام 1953 ضمن اتفاق تنازلت فيه ألمانيا الشرقية عن أراضٍ شرق نهر أودر-نايسه لبولندا وروسيا، كما تشير إلى اتفاق 2+4 عام 1990 الذي أنهى كل القضايا العالقة، إلا أن وارسو تصر على أن التنازل جاء تحت ضغط سوفييتي.
تدخل أمريكي
أظهر استطلاع "المقياس البولندي-الألماني"، الذي يُجرى بانتظام منذ عام 2000، تدهورًا حادًا في نظرة البولنديين للألمان خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تفاقم مع صعود اليمين المتشدد في أوروبا بدعم من إدارتي ترامب الأولى والثانية، وفق المجلة.
جاءت انتخابات الرئاسة البولندية، في مايو الماضي، لتقضي على آمال الانفراج، إذ فاز كارول نافروتسكي القومي المتطرف على رافال تشاسكوفسكي عمدة وارسو ومرشح المنصة المدنية.
وقد بنى نافروتسكي جهازًا للسياسة الخارجية منفصلًا، موازيًا لإستراتيجية ترامب الأمنية، التي تهدف لإضعاف الاتحاد الأوروبي ودعم القوميين اليمينيين.
فعلت واشنطن كل ما بوسعها لإنجاح نافروتسكي، بدعوته للبيت الأبيض أثناء الحملة الانتخابية، وحصوله على تأييد رسمي من وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم خلال مؤتمر المحافظين في بولندا، بحسب ما ذكرته "فورين بوليسي".
يزور سياسيو حزب القانون والعدالة واشنطن بانتظام في فعاليات المحافظين، بينما يكافح السفير البولندي الرسمي، التابع لحكومة توسك ووزير خارجيته رادوسلاف سيكورسكي، للحصول على لقاءات.
وعندما التقى نافروتسكي بترامب للمرة الثانية خلال أربعة أشهر، خَرَقَ التقاليد ولم يدعُ أي مسؤول من وزارة الخارجية، كما تفكر واشنطن، حسب ما تشير المجلة، في دعوة نافروتسكي بدلًا من توسك لقمة مجموعة العشرين المقررة في فلوريدا ديسمبر المقبل.
أزمات تعمق الهوة
لا يقتصر الخلاف على التاريخ فقط، إذ أثار قرار ألمانيا الأحادي، في العام الماضي، بفرض فحوص على حدودها مع بولندا لمنع المهاجرين وطالبي اللجوء، غضبًا شديدًا في وارسو، إذ تجمعت "دوريات مواطنين" على الجانب البولندي لمنع إعادة المهاجرين، واضطر توسك تحت الضغط للتحذير بأن "صبر بولندا ينفد"، وردَّت حكومته بإجراءات مماثلة على حدودها، وفق المجلة.
في أواخر 2025، عبّر السفير الألماني الجديد في وارسو، ميجيل برجر، عن إحباطه، قائلًا لمحطة تلفزيون بولندية إن "البعض يطالبون بالتعويضات؛ لأنهم ربما لا يريدون تطوُّر العلاقات بشكل إيجابي"، وذهب أبعد على وسائل التواصل، إذ اعتبر أن هذه المطالب "تُغذّي انقسامات لا تخدم سوى بوتين"، ما أثار غضبًا جديدًا لدى سياسيي حزب القانون والعدالة.