تعمل البنوك على تسريع فترة التسويق للاكتتابات العامة الأولية في أوروبا، في محاولة لحماية الشركات المدرجة حديثًا من الاضطرابات التي هزت أسواق الأسهم العالمية خلال السنة الأولى لعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
سعت بنوك استثمار كبرى في أوروبا خلال الأشهر الأخيرة إلى تسريع عمليات الطرح العام الأولي، في محاولة لتقليص المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية، أظهرت بيانات صادرة عن شركة "ديلوجيك" أن متوسط فترة بناء سجل الأوامر للطروحات الأوروبية انخفض إلى خمسة أيام فقط منذ بداية العام، وهو أدنى مستوى مسجل، مقارنة بعشرة أيام في عام 2022، في مؤشر على رغبة البنوك في تقليص الفترة الزمنية التي تتعرض فيها الصفقات لتقلبات السوق، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
طلب متزايد على الأسهم الأوروبية
سجلت عدة طروحات بارزة فترات تسويق قياسية، إذ بلغت مدة بناء سجل أوامر طرح مجموعة "تشيكوسلوفاكيا" الدفاعية، الأكبر في تاريخ قطاع الدفاع الأوروبي، ثلاثة أيام فقط، وبلغت القيمة السوقية للشركة 33 مليار يورو في أول يوم تداول لها في أمستردام الشهر الماضي.
اتبعت شركات أخرى النهج ذاته، حيث جرى تسويق طرح شركة "أستا إنرجي" النمساوية لمدة أربعة أيام فقط، قبل أن تقفز أسهمها بنسبة 46% في أول يوم تداول لها في فرانكفورت، في الأثناء التي أبدى فيها المستثمرون إقبالاً قوياً على الأصول الأوروبية.
استفادت البنوك من الطلب المتزايد على الأسهم الأوروبية، وهو ما سمح لها بتقليص فترات بناء سجل الأوامر، مع التركيز على التواصل المبكر مع المستثمرين قبل الإعلان الرسمي عن الطرح، إضافة إلى ذلك أسهم تركز الأصول لدى عدد محدود من مديري الاستثمار الكبار في تسهيل حسم الصفقات بسرعة أكبر.
قال أنطوان نوبلو، رئيس أسواق رأس المال للأسهم في شمال أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى بنك بي إن بي باريبا، إن البنوك باتت تعتمد بشكل متزايد على تسويق "غير معلن" يمتد لأشهر، بما يسمح بتحديد نطاق التسعير والمستثمرين الرئيسيين مسبقًا، موضحًا أن البقاء لفترة أطول في السوق لم يعد مجديًا في بيئة شديدة التقلب.
تقلبات سياسية
تأثرت أسواق المال العالمية خلال العام الماضي بقرارات سياسية واقتصادية اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق، إلى جانب تصريحات أثارت توترات سياسية في أوروبا، ما دفع العديد من الشركات إلى تأجيل أو إعادة تقييم خطط الطرح.
سرعان ما انعكس هذا المناخ على قرارات الشركات، إذ درست مجموعة البرمجيات "فيزما" تأجيل طرحها في لندن بعد تراجع أسهم القطاع، كما أرجأت شركة "ليفت أوف موبايل" طرحها في "وول ستريت" هذا الأسبوع، مشيرة إلى ظروف السوق غير المواتية.
مستثمرون أساسيون
لجأت الشركات بشكل متزايد إلى الاعتماد على مستثمرين أساسيين، يلتزمون مسبقًا بجزء من الطرح، ما يضيف طبقة حماية إضافية للصفقات، في الوقت نفسه يقلل من مرونة توزيع الأسهم لاحقًا، إذ أعلنت "أستا إنرجي" تأمين أربعة مستثمرين أساسيين التزموا بضخ 55 مليون يورو من إجمالي طرح بلغ 125 مليون يورو.
حظي طرح "تشيكوسلوفاكيا" أيضًا بدعم مستثمرين كبار، من بينهم "بلاك روك" وهى وجهة تابعة لهيئة الاستثمار القطرية، ما عزز الثقة في الصفقة، في ظل استمرار ارتفاع أسهم شركات الدفاع الأوروبية.
في الأثناء، رأى مصرفيون أن هذا التوجه يعكس تحولًا هيكليًا في سوق الطروحات الأوروبية، حيث بات الجزء الأكبر من التسويق يتم خلف الكواليس، قبل الإعلان الرسمي، وهو نمط برز خلال جائحة كوفيد-19، ويعود الآن في ظل تقلبات الأسواق العالمية، بحسب "فاينانشال تايمز" البريطانية.