بعد عام واحد من رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة الأمريكية، أصبح العالم أجمع يتوقع سيناريوهات لمستقبل الأزمات داخل الدول، فضلاً عن مستقبل الأسواق المختلفة، سواء الأسهم أو الذهب أو الدولار، وهو ما حدث بسبب القرارات الكبرى التي اتخذها ترامب، والتي بدورها أثرت على الاقتصاد الأمريكي، فلم يكن التأثير خارجيًا فقط، بل يمكن القول إن القرارات التي اتخذها ترامب تجاه الدول المختلفة أثرت على الداخل الأمريكي بشكل كبير.
تأسيسًا على ما سبق، يهدف هذا التحليل إلى مقارنة المؤشرات الاقتصادية المختلفة داخل الاقتصاد الأمريكي في عام 2025 بالمقارنة بعام 2024، مع توضيح أسباب الوضع الاقتصادي الراهن داخل أمريكا، هذا فضلاً عن استشراف سياسات ترامب المستقبلية حتى تنتهي مدة رئاسته.
تحليل مُقارن
يمكن التعرف على المؤشرات الاقتصادية المختلفة داخل الاقتصاد الأمريكي من خلال النقاط التالية:
(-) معدل التضخم: شهدت معدلات التضخم خلال معظم شهور عام 2025 انخفاضًا عن مستواها في عام 2024 وفقًا للشكل (1)، ففي فبراير 2025 انخفضت إلى 2.8%، بالمقارنة بـ 3.2%، وفي مارس انخفضت إلى 2.4% بالمقارنة بـ 3.5%، وظل الانخفاض حتى شهر يوليو، ولكن بداية من شهر أغسطس بدأت معدلات التضخم ترتفع في عهد ترامب، إذ سجلت 2.9% في شهر أغسطس 2025 بالمقارنة بـ 2.5% في عام 2024، ثم ارتفعت إلى 3% في سبتمبر 2025 بالمقارنة بـ 2.4% في نفس الشهر من العام السابق.
ومن هذه القراءة يتضح أن التعريفات الجمركية التي يتخذها ترامب ذريعة في تنفيذ سياساته الخارجية بدأت تظهر تأثيرها على مؤشر التضخم الأمريكي، فالتضخم لا يزال بعيدًا عن المعدل المستهدف الذي يُقدر بـ 2%.
(-) العجز الحكومي: أعلنت الحكومة الفيدرالية عن عجز قدره 145 مليار دولار في ديسمبر من عام 2025، بارتفاع قدره 58 مليار دولار في ديسمبر 2024 كما يوضح الشكل (2)، حيث كان يُسجل 87 مليار دولار، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة 6.6% على أساس سنوي إلى 484.4 مليار دولار، وفي المقابل ارتفعت النفقات بنسبة 16.3% على أساس سنوي إلى 629.1 مليار دولار في ديسمبر 2025، حيث ارتفعت بنحو 89 مليار دولار مقارنةً بشهر ديسمبر من العام السابق.
(-) معدل البطالة: يتضح من الشكل (3) أن معدل البطالة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 2025 سجل ارتفاعًا عن مستواه في عام 2024، إذ بلغ 4.3% في مايو 2025 بالمقارنة بـ 3.9% في الشهر نفسه من العام السابق، وتذبذب بين الارتفاع والانخفاض حتى بلغ 4.5% في نوفمبر 2025، بالمقارنة بـ 4.2% في نوفمبر 2024، وفي ديسمبر بلغ 4.4% بالمقارنة بـ 4.1% في العام السابق.
(-) سعر الدولار: أوضح مؤشر بلومبرج أن الدولار انخفض بنسبة 11% خلال عام 2025، حيث هبط إلى أدنى مستوى له في 4 أعوام، إذ سجل 96.1 في 28 من يناير 2026، وهو ما يرجع إلى إعادة تقييم المستثمرين لسياسات ترامب والمخاطر الجيوسياسية، هذا بالإضافة إلى رغبة واشنطن في إضعاف العملة، حتى تستحوذ على نصيب أكبر من الصادرات العالمية في ظل المنافسة الكبيرة مع الصين.
وعليه فإن دعم ترامب لضعف الدولار يؤجج الرهانات على اتجاه هبوطي جديد، كما أنه ينعكس على صعود كبير في سعر أونصة الذهب، والتي سجلت حتى وقت كتابة التحليل نحو 5500 دولار، ومن ناحية أخرى سيتزايد شراء الدول المختلفة للذهب، حتى يصبح مكونًا أساسيًا في الاحتياطي النقدي، فإن انخفاض قيمة الدولار يقلل من قيمة الاحتياطي النقدي إذا كان الدولار يُشكل نسبة كبيرة منه، وهو ما يُعرض الدول، وخاصة النامية، إلى اضطرابات اقتصادية كبيرة.
أسباب دافعة
يرجع عدم التحسن في مؤشرات الاقتصاد الأمريكي إلى مجموعة من الأسباب الرئيسية التي تتمثل في النقاط التالية:
(-) سياسة التيسير النقدي: ينعكس ارتباط سياسة التيسير النقدي في الولايات المتحدة الأمريكية بعدم استقلالية المجلس الفيدرالي الأمريكي في اتخاذ قراراته، على تبني سياسة نقدية مُغايرة لمتطلبات الاقتصاد الأمريكي، فالتضخم لا يزال بعيدًا عن المعدل المستهدف (2%)، كما أن البطالة ارتفع مستواها عن عام 2024، وهما متغيران أساسيان في تحديد أي مسار نقدي تتخذه أمريكا، سواء تشديدًا أو تيسيرًا. ففي عام 2025 أجرى مجلس الاحتياطي الفيدرالي ثلاثة تخفيضات متتالية، وهو ما جاء بعد ضغط من الرئيس الأمريكي، مما قيّد من استقلالية المجلس.
(-) سياسة الرسوم الجمركية: أثرت سياسة الرسوم الجمركية التي اتبعها الرئيس ترامب على اضطراب المؤشرات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تحولت هذه الرسوم إلى ضريبة استهلاك، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار على المواطنين الأمريكيين، وهو ما يرجع إلى أن التكاليف تتحمّلها الشركات والمستهلكون في المقام الأول.
ومن ناحية أخرى تُضعف الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب الوضع المالي للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بتقليل الإيرادات بعد تخفيض النمو الناتج عن هذه التعريفات وارتفاع أسعار الفائدة على الدين الأمريكي، ونظرًا لتأثرها بالتقلبات الحادة في أسعار صرف العملات، وردود الفعل الانتقامية من الاقتصادات الأخرى، فقد تآكلت القاعدة الضريبية للولايات المتحدة.
وفقًا للجدول (1)، فإن سياسة الرسوم الجمركية لترامب ستُدر نحو 2.1 تريليون دولار من الإيرادات خلال الفترة من 2026 إلى 2035، وستُخفض الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 0.5%، كما ستُخفض نسبة رأس المال بنسبة 0.4%، وذلك قبل احتساب أي إجراءات انتقامية أجنبية، وبالأخذ في الاعتبار الآثار الاقتصادية السلبية، فإن الإيرادات المُحصلة من هذه الرسوم ستنخفض إلى 1.6 تريليون دولار على مدى العقد القادم.
(-) انخفاض نمو الدخل: تميّز نمو الدخل في الولايات المتحدة الأمريكية بالانخفاض بالنسبة لإنفاق المستهلكين، إذ إنه وفقًا لبنك "جي بي مورجان تشيس" تباطأ نمو الدخل الحقيقي إلى أدنى مستوياته منذ عقد تقريبًا، خاصة بين الفئة العمرية من 25 عامًا إلى 54 عامًا، وهو ما ترتب عليه أن الطلب على السلع الاستهلاكية في الولايات المتحدة الأمريكية كان مدعومًا بالسحب من المدخرات.
ووفقًا لبيانات مكتب التحليل الاقتصادي، ارتفع إنفاق المستهلكين المعدل حسب التضخم بنسبة 2.6% في نوفمبر 2025، وفي المقابل زادت الدخول الشخصية بنسبة 1% فقط، وهو أضعف نمو سنوي منذ 2022، كما تراجع معدل الادخار إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أعوام، وهو ما حدث بسبب تباطؤ سوق العمل الذي أثر على تباطؤ نمو الأجور.
سيناريوهات مستقبلية
إن سياسة ترامب تجاه القضايا الداخلية والخارجية ترسم معالم الاقتصاد العالمي، وبالتالي ستوضّح في النقاط التالية:
(-) استمرار سياسة الصدام: من المتوقع بشكل كبير أن يستمر ترامب في منح تخفيضات ضريبية جديدة للشركات والأفراد، مع حماية صناعية أشد في شكل تعريفات جمركية ودعم التصنيع المحلي، فضلاً عن ممارسة ضغط سياسي مباشر على الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة، وتشديد الهجرة باعتبارها أداة اقتصادية (خفض العمالة منخفضة الأجر).
وهذا السيناريو الداخلي مرتبط بسياسة ترامب الخارجية، من حيث تصعيد حرب تجارية مع الصين وغيرها من الدول الفاعلة في التجارة الدولية، إعادة التفاوض أو الانسحاب من الاتفاقيات التجارية، واستخدام الدولار والعقوبات كسلاح اقتصادي.
(-) اقتصاد النمو الانتقائي: يعني هذا الاقتصاد أن ترامب يتوجه لدعم بعض القطاعات الاقتصادية، مثل الطاقة والدفاع والبنية التحتية، من خلال تقديم الحوافز الضريبية لها، وهو ما يترتب عليه تحسّن نسبي في التوظيف الصناعي، وفجوة أكبر بين الولايات والطبقات، ومن ثم نمو غير متوازن جغرافيًا وقطاعيًا، وهذه السياسة التي أظهرها ترامب بعد عام واحد من رئاسته قابلة للاستمرار لكنها ستُعمّق الانقسام.
(-) استمرار سياسة البحث عن موارد خارجية: يهتم ترامب بشكل كبير بالثروات، خاصة المعدنية والبترولية، ويُخطط للسيطرة عليها بكل الطرق الممكنة، وهو ما جعله يعتدي على سيادة فنزويلا، وينوي السيطرة على جزيرة جرينلاند. فهذه السياسة من المتوقع بشكل كبير أن تستمر حتى نهاية رئاسته، إذ أن ترامب يعتبر هذه الموارد أدوات استراتيجية للدفع بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ولتحقيق النفوذ الاقتصادي.
وفي النهاية، يمكن القول إن سياسة الماجونوميكس Meganomics التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تُركز على نهج حمائي قوي تحت شعار "أمريكا أولاً"، ستعمل على خلق مشكلات اقتصادية كبيرة سواء في الداخل الأمريكي أو في الاقتصاد العالمي، إذا استمر ترامب بهذا النهج العدائي تجاه الدول المختلفة، إذ إنه سيقود مرحلة من الاقتصاد العالمي أقل تعاونًا وأكثر تصادمية.
وبالتالي، في ضوء مرور عام على رئاسة دونالد ترامب، نستطيع القول إن معالم الاقتصاد الأمريكي باتت تعكس مزيجًا معقدًا من السياسات الشعوبية والبرجماتية الاقتصادية، فقد ركزت إدارة ترامب على تحفيز النمو الداخلي من خلال خفض الضرائب وتشجيع الاستثمار المحلي، مقابل تبني توجهات حمائية في التجارة الخارجية.
فعلى الرغم من تحقيق بعض المؤشرات الإيجابية، أثارت في المقابل مشكلات تتعلق بالتضخم والعجز المالي، وهو ما يجعل الاقتصاد الأمريكي يقف على مفترق طرق بين مكاسب قصيرة الأجل وتحديات هيكلية طويلة الأجل، وسيعتمد مساره المستقبلي على قدرة الإدارة على تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو، وضبط الاختلالات المالية، والحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة اقتصادية قائدة في النظام العالمي.