في تطور لافت، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واجهة المشهد الدولي بعد تصريحاته المثيرة حول نيجيريا، إذ أعلن أنه وجَّه البنتاجون للاستعداد لعمل عسكري محتمل ضد الحكومة النيجيرية، متهمًا إياها بالفشل في حماية المواطنين المسيحيين من أعمال العنف المتصاعدة، وقال إن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفه بـالاضطهاد الديني الممنهج، مؤكدًا أنه أعاد إدراج نيجيريا على قائمة الدول المثيرة للقلق في ملف الحريات الدينية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق تصاعد التوترات الطائفية داخل نيجيريا، خصوصًا في الولايات الشمالية التي تشهد منذ سنوات صدامات بين جماعات مسيحية ومسلمة أودت بحياة المئات وأثارت قلقًا دوليًا واسعًا، فيما سارعت الحكومة النيجيرية إلى الرد باستدعاء السفير الأمريكي في أبوجا، معتبرة تصريحات ترامب تدخلًا غير مقبول في الشؤون الداخلية، وفي المقابل ناقش الكونجرس الأمريكي مشروع قرار يطالب بفرض عقوبات على مسؤولين نيجيريين بدعوى انتهاك حقوق الأقليات الدينية.
يُنظر إلى هذه التطورات باعتبارها مؤشرًا على توتر متصاعد في العلاقات بين واشنطن وأبوجا، وسط مخاوف من أن يؤدي التصعيد الأمريكي إلى مزيد من التعقيد في المشهد الأمني والسياسي داخل نيجيريا التي تعاني بالفعل من اضطرابات دينية وإثنية متجذرة.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: كيف تعيد تهديدات ترامب ضد نيجيريا رسم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية؟
تحولات في أولويات السياسة الخارجية
من خلال تهديدات ترامب لنيجيريا، يمكن رصد ثلاث دلالات جوهرية على إعادة رسم الأولويات الأمريكية، تتمثل في:
(*) الانتقال من الأولويات الجيوسياسية إلى الهُوياتية: لم تعد المنافسة مع الصين أو روسيا وحدها في مقدمة أجندة ترامب، بل حلَّت محلها قضايا حماية المسيحيين والحرية الدينية، وهي عناوين تتقاطع مع أجندة اليمين الإنجيلي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ويعكس ذلك انزياح السياسة الخارجية من منطق القوة التقليدية إلى منطق القيم الانتقائية التي توظَّف سياسيًا داخل المشهد الداخلي الأمريكي.
(*) تراجُع المقاربة المؤسسية لصالح القرار الفردي: تشير تصريحات ترامب إلى أنه أصدر أوامره مباشرة للبنتاجون دون المرور بالإجراءات المؤسسية المعتادة، ما أعاد إلى الأذهان نهجه خلال ولايته الأولى حين اتخذ قرارات مفاجئة بسحب قوات أو شن ضربات دون استشارة الأجهزة المعنية، ويكشف ذلك عن ميل لتهميش المؤسسات لصالح قرارات ذات طابع شخصي أو رمزي تخاطب الرأي العام.
(*) إعادة توظيف القوة العسكرية كأداة للردع الرمزي: رغم أن احتمالات توجيه ضربة حقيقية لنيجيريا ضعيفة، فإن مجرد التهديد بها يعكس توجهًا لإحياء صورة أمريكا القوية بعد سنوات من السياسة الدبلوماسية الحذرة في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، فالتهديد العسكري هنا يُستخدم كأداة رمزية لتأكيد القيادة الأمريكية في قضايا تبدو أخلاقية لكنها في جوهرها سياسية داخلية.
(*) تراجُع الاهتمام بالتحالفات الدولية لصالح العمل الأحادي: لم تُشِر تصريحات ترامب إلى أي تنسيق مع الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة أو حتى حلف شمال الأطلسي "ناتو"، ما يعبر عن نزعة انعزالية متجددة تضع المصلحة الأمريكية فوق كل اعتبار، وهو توجه يعيد إنتاج شعار "أمريكا أولًا" الذي ميز خطابه في ولايته الأولى.
(*) البُعد الانتخابي في صياغة القرارات الخارجية: يتزامن التهديد ضد نيجيريا مع تصاعد الحملة الانتخابية الأمريكية لعام 2026، ما يشير إلى أن الخطاب الخارجي يُستخدم لاستمالة الناخبين الإنجيليين الذين يمثلون نحو 25% من القاعدة الجمهورية من خلال تصوير ترامب كـحامي المسيحيين حول العالم.
انعكاسات متعددة
لم تكن تهديدات ترامب مجرد حدث عابر في المشهد الإفريقي، بل أعادت النقاش حول موقع القارة في الحسابات الأمريكية، فمن المرجح:
(*) تأثير سلبي على العلاقات مع نيجيريا: تعد نيجيريا ركيزة الإستراتيجية الأمريكية في غرب إفريقيا، حيث تنسق مع واشنطن في مكافحة الإرهاب عبر القيادة الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM)، لكن الخطاب العدائي من جانب ترامب قد يُفسَّر كمساس بالسيادة، ما يدفع أبوجا نحو تعزيز علاقاتها مع شركاء آخرين مثل الصين وروسيا وتركيا، الذين يتبعون نهجًا أقل تدخلاً في الشؤون الداخلية.
(*) اهتزاز الثقة في الالتزامات الأمريكية: يخشى كثير من الحلفاء الأفارقة من أن تعود واشنطن إلى مرحلة القرارات المفاجئة، كما حدث عندما انسحب ترامب من اتفاقات دولية كاتفاق باريس للمناخ في يناير 2025، وبذلك قد تتراجع الثقة في استمرارية الدعم الأمريكي خاصة في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب والتنمية المستدامة.
(*) فتح الباب أمام قوى منافسة لتعزيز نفوذها: إن أي توتر بين واشنطن ونيجيريا يمنح روسيا والصين فرصة لتوسيع نفوذهما في غرب إفريقيا، فبينما تقدم موسكو الدعم الأمني، تعرض بكين مشروعات بنية تحتية ضخمة، ما قد يؤدي إلى تراجع الدور الأمريكي في القارة خصوصًا في ظل تزايد الحساسية الإفريقية من الوصاية الغربية.
(*) تأثيرات على الخطاب الديني والسياسي في الداخل الأمريكي: قد يفاقم الخطاب الذي يربط بين السياسة الخارجية وحماية المسيحيين الانقسام الداخلي الأمريكي بين اليمين المحافظ والليبراليين، إذ يُتهم ترامب بتسييس الدين واستخدامه لأغراض انتخابية، ما قد يؤدي إلى استقطاب أكبر في النقاش العام حول دور الولايات المتحدة الأمريكية في العالم.
(*) تحدي التوازن بين المصالح والقيم: يسلط موقف ترامب من نيجيريا الضوء على معضلة دائمة في السياسة الأمريكية وهي قدرة واشنطن على التوازن بين التزامها المعلن بحقوق الإنسان ومصالحها الأمنية والاقتصادية، فالتهديد العسكري باسم الحرية الدينية يضعف مصداقية واشنطن في الدفاع عن تلك القيم خاصة عندما يتم استغلالها لتحقيق أهداف انتخابية.
ختامًا، تُظهر أزمة تهديدات ترامب لنيجيريا كيف تتحول السياسة الخارجية الأمريكية أحياناً إلى امتداد للخطاب الداخلي، إذ تُوظف القيم الدينية والمخاوف الطائفية لأغراض انتخابية واستراتيجية على حساب التعقيدات الواقعية في الدول المستهدفة.
في ضوء ذلك، يمكن تصوُّر ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، استمرار الخطاب التهديدي دون تدخل فعلي ليبقى أداة ضغط انتخابية داخلية؛ والثاني، تصعيد جزئي عبر عقوبات اقتصادية أو سياسية قد يضعف التعاون الأمني مع نيجيريا ويتيح فرصًا لخصوم واشنطن الإقليميين؛ والثالث تَبَنِي مقاربة أكثر توازنًا تركز على دعم الإصلاح المؤسسي والتنمية لتعزيز الأمن وحماية الأقليات.
وبغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فإن الأزمة تعكس ميل السياسة الأمريكية لإعطاء الأولوية للبعد الرمزي والأيديولوجي على حساب المصالح الواقعية، ما يجعل نيجيريا مثالاً حيًا على كيفية تقاطع الأزمات الداخلية والدولية في تشكيل أولويات واشنطن.