مع بداية عام 2026، تحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطوات متسارعة أعادت تشكيل المشهدين السياسي الداخلي والخارجي للولايات المتحدة، في مسعى واضح لتفنيد المزاعم التي تحدثت عن تراجع نفوذه في ولايته الثانية. ووفق شبكة "سي إن إن" الأمريكية، اتسمت هذه المرحلة بتصعيد غير مسبوق في استخدام أدوات القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
بداية التحول
شهد الأسبوع الأول من عام 2026 نقطة تحول محتملة في رئاسة ترامب الثانية، بعدما أنهى العام السابق وسط توقعات بتآكل سلطته نتيجة قيود دستورية وسياسية. إلا أن ترامب لم يتعامل مع هذه التوقعات باعتبارها أمرًا واقعًا، بل تحرك سريعًا لإعادة تثبيت صورته السياسية ومنع تراجع هالة القوة المرتبطة بشخصه وموقعه في البيت الأبيض.
وأظهر ترامب استعدادًا لتجاوز الأعراف التقليدية وتحدي القيود القائمة، سواء كانت دستورية أو سياسية أو مرتبطة بالنظام الدولي القائم. ووفق "سي إن إن"، يعكس هذا النهج تسارعًا في وتيرة القرارات مقارنة بعام ولايته الأول.
ومع مطلع العام، بدا أن ترامب يتعامل مع أي قيد أو وضع قائم باعتباره عائقًا يجب كسره، في مقاربة جعلت ملايين الأشخاص حول العالم مرتبطين بشكل مباشر بتداعيات قراراته المتلاحقة.
فنزويلا وجرينلاند
في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، أطاح ترامب بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأعلن عزمه إدارة احتياطيات النفط الفنزويلية بنفسه، في إطار سعيه لترسيخ الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي.
وبالتوازي مع ذلك، طالب ترامب بملكية جرينلاند، في تحرك أثار مخاوف أوروبية من تداعياته على حلف شمال الأطلسي، خاصة أن فكرة استيلاء دولة عضو على أراضٍ تابعة لحليف آخر تمثل سابقة خطيرة في تاريخ الحلف.
إيران وكوبا
على الصعيد الخارجي، واجه ترامب مغامرة محتملة غير مسبوقة مع إيران، بعدما عرض عليه مساعدوه خيارات لفرض الخط الأحمر الأمريكي عبر عمل عسكري، في أعقاب تحذيره من أن الولايات المتحدة ستبدأ بإطلاق النار إذا واصل النظام قمع الاحتجاجات.
ورغم التهديدات، قُتل مئات المتظاهرين، ما زاد من تعقيد الحسابات الأمريكية، في ظل تحذيرات إيرانية من الرد على القواعد الأمريكية وإسرائيل إذا شنّت واشنطن هجمات.
وفي الوقت نفسه، أمضى ترامب عطلة نهاية الأسبوع في توجيه تهديدات لكوبا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وترى الإدارة الأمريكية أن السيطرة على فنزويلا قد تسهم في الضغط على النظام الكوبي، الذي تحدى الولايات المتحدة لأكثر من 65 عامًا، إما للدخول في تسوية أو لمواجهة انهيار سياسي.
حسابات القوة
ناقشت الإدارة الأمريكية مدى قدرة الجيش الأمريكي على تحمل مغامرات إضافية، في ظل انتشار البحرية قبالة سواحل فنزويلا، واحتمالات تنفيذ ضربات جوية بعيدة المدى ضد إيران، وطرحت تساؤلات حول جدوى هذه الضربات في ظل طبيعة المواجهات داخل المدن الإيرانية.
وأثارت تحركات ترامب تساؤلات لدى ناخبي التجديد النصفي حول مدى التزامه بشعار "أمريكا أولًا"، خاصة مع الانتقادات البرلمانية لاستخدامه صلاحيات الحرب وانتهاء الإعانات المعززة لقانون أوباما للرعاية الصحية.
صدام داخلي
داخليًا، تعهدت إدارة ترامب بمواصلة حملتها الصارمة ضد المهاجرين غير الشرعيين، رغم مقتل رينيه جود، امرأة من مينيابوليس، على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك. وأكدت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكي كريستي نويم أن الحادثة لن تؤدي إلى تهدئة السياسات المتشددة.
قالت "نويم" إن "جود" ارتكبت عملًا إرهابيًا داخليًا، مشيرة إلى أن السيارة كانت مسلحة وهاجمت ضابط إنفاذ القانون، بينما أكد عمدة مينيابوليس جاكوب فراي أن الضابط استخدم سلطته بتهور، ما أدى إلى وفاة شخص بريء، نافيا توصيف الحادث كعمل إرهابي.
تزامنت هذه التطورات مع تصعيد في مداهمات وانتشار عناصر إدارة الهجرة والجمارك، ما زاد من حدة الاستقطاب السياسي الداخلي، وسط مخاوف من وقوع مزيد من الضحايا أو الإصابات.
الاحتياطي الفيدرالي
في تطور مؤسساتي لافت، كشف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عن فتح تحقيق في تجديد مقر المجلس، مشيرًا إلى أن المدعين الفيدراليين يقودون التحقيق، واتهم باول الإدارة باستهدافه بسبب رفضه الخضوع لضغوط ترامب لخفض أسعار الفائدة بشكل كبير، اعتبر نفسه ضحية لتسييس وزارة العدل.
وحسب "سي إن إن" فإن التحقيق يبعث برسالة واضحة إلى خليفة باول المتوقع أن يرشحه ترامب هذا العام، مفادها أن تجاهل مطالب الرئيس قد يكون له ثمن سياسي، حتى لو مس ذلك استقلالية البنك المركزي.
وخلصت شبكة "سي إن سي" إلى أن رئاسة ترامب الثانية، رغم ما حققته من نجاحات تنطوي على مخاطر جسيمة، قد تعيد تشكيل الولايات المتحدة والنظام العالمي بشكل جذري مع نهاية ولايته.