قبل ساعات من تنفيذ الولايات المتحدة عملية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كان يستقبل في كاراكاس مبعوث صيني رفيع المستوى، في مشهد عكس عمق العلاقة بين بكين وأحد أبرز حلفائها في أمريكا اللاتينية.
لقاء قبل السقوط
اللقاء الذي جمع مادورو بتشيو شياو تشي، الموصوف بأنه مبعوث خاص للرئيس الصيني شي جين بينج، جاء في توقيت بالغ الحساسية، وسط ضغوط أمريكية متصاعدة على فنزويلا، وفق صحيفة "فايننشال تايمز".
وقدّم مادورو تمثالًا على شكل حصان إلى تشيو شياو تشي، بمناسبة العام الجديد، وأعلنا المضي قدمًا في تعاون مشترك، إذ ناقشا مئات الاتفاقيات، شملت مجالات الطاقة والبنية التحتية، وقال مادورو، خلال اللقاء إن العام عام الحصان، مؤكدًا السير في اتحاد تام مع بكين.
غير أن وسائل إعلام صينية مدعومة من الدولة، من بينها قناة فينيكس التلفزيونية، سارعت الأحد الماضي، إلى سحب فيديو الاجتماع، في إشارة إلى حساسية التطورات المتسارعة.
رهانات بكين
أبرز اللقاء حجم المصالح الجيوسياسية والاقتصادية العميقة للصين في فنزويلا الغنية بالنفط، وما قد تخسره حال وصول حكومة موالية لواشنطن ومعادية لمصالح بكين.
كانت فنزويلا بمثابة موطئ قدم لبكين في مساعيها الحثيثة لكسب ود المنطقة، وتعتبر واشنطن، أمريكا اللاتينية -تقليديًا- فنائها الخلفي، لكن الموارد الطبيعية -من فول الصويا في البرازيل إلى النحاس في تشيلي- جذبت استثمارات صينية ضخمة.
وتمثل محاولة الولايات المتحدة السيطرة على فنزويلا إنذارًا أوسع للصين، التي عملت خلال السنوات الماضية، على تعزيز حضورها في كوبا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية.
وتطورت العلاقات بين بكين وكاراكاس إلى تحالف أيديولوجي قوي منذ وصول هوجو تشافيز، السلطة عام 1999، وجرى رفعها في عام 2023 إلى مستوى شراكة إستراتيجية شاملة، وشكلت فنزويلا موطئ قدم مهمًا للصين.
القروض والنفط
قدّمت الصين منذ عام 2000 أكثر من 100 مليار دولار قروضًا لفنزويلا، وفقًا لبيانات AidData التابعة لكلية ويليام وماري، وسددت أجزاء من هذه القروض عبر شحنات نفط خام، دون إعلان رسمي عن حجم الديون المتبقية.
ويقدّر محللون أن فنزويلا لا تزال مدينة لبكين بنحو 10 مليارات دولار، بينما قال تاجر نفط صيني، وفق صحيفة "فايننشال تايمز"، إن الرقم قد يكون أكبر.
ومنذ عام 2019، قلصت بكين القروض والاستثمارات المباشرة في فنزويلا، مع استمرار بعض صفقات النفط والغاز، وتعد الصين أكبر شريك تجاري لأمريكا اللاتينية، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري 500 مليار دولار، عام 2024.
ووفقًا لبيانات شركة كيبلر، استحوذت الصين على معظم صادرات فنزويلا النفطية بمتوسط 396 ألف برميل يوميًا، ما يمثل أقل من 5% من وارداتها النفطية.
مخاطر الاستثمار
أثار سقوط مادورو نقاشًا واسعًا داخل الصين حول مخاطر الاستثمار الخارجي، خاصة في مناطق بعيدة، وقال شي يينهونج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين، إن المخاطر تتضح بشكل متزايد، كما اعتبر باحثون صينيون، أن النهج الأمريكي القائم على القوة قد يُشكل تهديدًا للمصالح الصينية عالميًا.
ورأى محللون أن تصريحات مسؤولين أمريكيين حول العملية في فنزويلا قد تُسهل على بكين تبرير مواقفها في قضايا إقليمية، بينها تايوان وبحر الصين الجنوبي.
وكتب تونج تشاو، الزميل البارز في مؤسسة كارنيجي الصين، أن قبول المجتمع الدولي للتحركات الأمريكية الأخيرة قد يُشجع بكين على الاعتقاد بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أسهل تقبلًا.