تقف فنزويلا عند لحظة مفصلية عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو على يد الولايات المتحدة، في تطور يعيد رسم ملامح الصراع الطويل بين واشنطن وكاراكاس، وحسب مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فذلك يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه رهانات الاستقرار مع مخاطر الفوضى والتورط طويل الأمد.
نهاية البداية
يمثل استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية لإزاحة نيكولاس مادورو تحولًا حاسمًا في مسار فنزويلا والسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وتوحي صور مادورو رهن الاحتجاز، بنهاية الصراع، غير أن "فورين أفيرز" تؤكد أن ما حدث هو البداية فقط.
وتتعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب مع إزاحة مادورو باعتبارها نجاحًا تكتيكيًا، مع تحمُّلها المُتعمَّد لمسؤولية ما سيحدث لاحقًا، وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا لفترة من الزمن، في إشارة إلى تحمُّل التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتقارن المجلة الأمريكية هذا المشهد بتجربة العراق عام 2003، حين أُعلن النصر مبكرًا قبل أن تدخل البلاد في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، محذِّرة من أن فنزويلا قد تواجه مصيرًا مشابهًا.
رهانات واشنطن
ترى "فورين أفيرز" أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بانضباط أمريكي يجمع بين الإكراه والحوافز، وبين القوة والشرعية السياسية، وفي حال تحقق ذلك، قد تعود فنزويلا إلى مسار ديمقراطي وتستعيد واشنطن نفوذها في المنطقة.
وتشير المجلة إلى أن انهيار فنزويلا خلال العقدين الماضيين كان محركًا رئيسيًا للهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود والتدفقات المالية غير المشروعة، ما أثَّر سلبًا على المصالح الأمريكية.
لكنها تحذِّر من مسارات فشل محتملة، تشمل انتقالًا جزئيًا يبقي الشبكات الإجرامية، أو جمودًا سياسيًا طويلًا يغذي عدم الاستقرار، أو تورطًا أمنيًا متزايدًا يصعُب على واشنطن التراجع عنه.
تحمل العملية، التي أنهت حكم مادورو، بصمة ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، وتعكس رؤية تركز على الحسم والمكاسب السياسية والاقتصادية، وتؤكد "فورين أفيرز" أن ترامب ينظر إلى فنزويلا كمورد يجب استغلاله، خصوصًا في قطاع النفط.
وتتوقع عودة شركات أمريكية، إلى جانب شيفرون، مثل كونوكو فيليبس، رغم القيود التي تفرضها عقود موقعة مع شركات صينية. وتحذِّر المجلة من أن الاستحواذ المباشر على عائدات النفط قد يحرم الدولة من موارد إعادة الإعمار.
وترى أن هذه المقاربة تعزز ما تسميه "مبدأ دونرو"، وهو تفسير أحادي لمبدأ مونرو يفضل الإنفاذ بالقوة على التعددية، مع ما يحمله ذلك من توترات دبلوماسية.
نظام بلا زعيم
تؤكد "فورين أفيرز" أن إزاحة مادورو لا تعني انهيار نظام تشافيز، الذي تصفه بأنه ائتلاف أيديولوجي وسياسي وجنائي متماسك بفعل الريع والخوف المشترك، وترجح تفكك هذا الائتلاف دون انتقال سياسي واضح.
وترى أن القوات المسلحة تمثل العامل الحاسم، مع غياب مؤشرات على قطيعة مؤسسية كاملة، والسيناريو الأرجح هو مفاوضات طويلة وانشقاقات انتقائية وتحوط من قبل النخب.
ويبرز التوتر بين المسار الدستوري، الذي يدعو لانتخابات خلال 30 يومًا، والواقع السياسي المرتبط بنتائج انتخابات يوليو 2024 التي فازت بها المعارضة بقيادة إدموندو جونزاليس دون تطبيق داخلي.
مخاطر الاستنزاف
تحذِّر المجلة من أن الفشل سيكون مُكلِّفًا للولايات المتحدة وفنزويلا معًا، فالانسحاب السريع قد يترك فراغًا وفوضى، بينما يؤدي البقاء الطويل إلى مستنقع استنزافي.
وتشير إلى أن التدخل الأمريكي المكثف قد يفتح المجال لتوسع نفوذ الصين، التي ركزت على البنية التحتية والتمويل، في مقابل اعتماد واشنطن على العقوبات والتهديدات.
وترى أن التنافس في المنطقة لم يعد عسكريًا بالدرجة الأولى، بل اقتصاديًا وتكنولوجيًا، ما يحدّ من فاعلية القوة العسكرية وحدها.
تؤكد "فورين أفيرز" أن السيطرة على عائدات النفط ستكون العامل الحاسم في قدرة أي حكومة مستقبلية على الحكم، وإذا حُوِّلَت هذه العائدات إلى الخارج، ستصبح السيادة السياسية شكلية.
وتشير إلى أن فنزويلا فقدت أكثر من ثلاثة أرباع ناتجها المحلي خلال عقد، وأن إعادة الإعمار تتطلب استثمارات ضخمة وإعادة هيكلة ديون واستعادة إنتاج الطاقة، وترى أن اندماج فنزويلا في الاقتصاد العالمي سيحدد ما إذا كان النفوذ الأمريكي سيتعزز أم يتآكل.
سيناريوهات محتملة
تطرح المجلة ثلاثة مسارات رئيسية بعد اعتقال مادورو، الأول انتقال عبر انتخابات أو سلطة مؤقتة، وهو ما يوفر أفضل فرص الاستقرار إذا اقترن بإغاثة اقتصادية وضمانات أمنية.
المسار الثاني هو استمرارية النظام في إطار مُجرَّم، مع تغيير شكلي وبقاء الشبكات المسلحة والإجرامية، وربما تسليم السلطة إلى شخصية مدنية مؤقتة تضمن الاستمرارية.
أما المسار الثالث فهو التصعيد، حيث تتحول صراعات القوة إلى عنف واسع، ما يضع واشنطن أمام ضغوط تدخل جديد.