تجري الهند مناورات "تريشول" العسكرية، والتي اعتبرتها مجلة "فير أوبزيرفر" الأمريكية، رسالة رمزية تستعرض القوة الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تثير إشكاليات تتعلق بسوء الفهم الأمني وتعميق الانقسامات في جنوب آسيا، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
دلالات تريشول
تهدف مناورات تريشول العسكرية الأخيرة إلى إظهار القدرات العسكرية الهندية في جنوب آسيا، وقد قُدِّمَت رسميًا باعتبارها تمرينًا روتينيًا، غير أن هذا الروتين، في عالم الأمن، قد يُفسَّر بطرق مختلفة تبعًا لوجهات نظر متعددة.
ظاهريًا، تمثل تريشول تحديثًا عسكريًا واستعدادًا عملياتيًا، لكنها تحمل في باطنها رسائل ضمنية تتعلق بالنوايا والتسلسل الهرمي في البيئة الأمنية الإقليمية.
وترى "فير أوبزيرفر" أن المناورة التي وصفتها بـ"الرمح الثلاثي"، تُذكِّر الفاعلين الإقليميين، بمن يملك زمام المبادرة العسكرية في المنطقة، ما يجعلها أبعد من مجرد تدريب اعتيادي.
أضخم مناورة
تعد مناورات "تريشول"، التي شملت القوات البرية والجوية والبحرية على جبهة تمتد لنحو ألف كيلومتر، أضخم مناورة مشتركة منذ عملية سيندور.
وبحسب بيان صحفي، صادر عن وزارة الدفاع الهندية، تهدف المناورات إلى تعزيز التعاون بين أفرع القوات المسلحة الهندية.
وأُجريت المناورات قرب منطقة سير كريك المتنازع عليها بين ولاية جوجارات الهندية وإقليم السند الباكستاني، وهو ما يعكس، وفق المجلة، استعراضًا مقصودًا للجاهزية العسكرية في موقع بالغ الحساسية.
ردع ورسائل
يشير مُنظِّرو الإستراتيجية إلى أن استعراض الجاهزية الدفاعية قد يضفي عنصرًا من الردع، وقد وصف الخبير الاقتصادي الأمريكي توماس شيلينج هذا النهج بمفهوم فن الإكراه والترهيب، القائم على توظيف القدرات الظاهرة للتأثير في سلوك الخصوم.
وينطبق هذا المفهوم على تريشول من حيث التوقيت والنطاق والموقع، إذ لا تكتفي المناورة بإظهار الاستعداد، بل ترسِّخ موقفًا عسكريًا مُوجَّهًا لدول الجوار، ووفق المجلة فإن هذه الرسائل قد تُعمِّق إدراك القوة أكثر مما تعزز الطمأنة الأمنية.
لغة تصعيد
تلفت "فير أوبزيرفر" إلى أن اللغة المستخدمة من قبل القادة الهنود حول تريشول تعكس تحولًا لافتًا، مع حديثهم عن وضع طبيعي جديد يربط أي استفزاز عابر للحدود برد عسكري شامل.
يمثل ذلك تحولًا عقائديًا له تبعات جغرافية وأمنية واسعة، إذ تبدو عتبة التصعيد أكثر مرونة من السابق، وفي بيئة جنوب آسيا الهشة، قد يؤدي هذا الغموض بين الردع والهيمنة إلى مزيد من سوء الفهم الأمني.
ويقدم التاريخ، وفق المجلة، أمثلة تحذيرية، إذ لاقت الردود العسكرية الهندية في عامي 2016 و2019 استحسانًا داخليًا، لكنها أثارت قلقًا إقليميًا واسعًا.
وأسهمت تلك التحركات، رغم محدوديتها الزمنية، في إعادة تعريف ما يُعد استعراضًا عسكريًا مقبولًا، ومن هذا المنطلق، قد لا ينظر إلى تريشول كتدريب روتيني بقدر ما تُعد إشارة رمزية للتذكير بالقوة لا للطمأنة.
البعد البحري
تسلط المجلة الضوء على تعقيد بحري متزايد، حيث تحوَّل بحر العرب من ممر تجاري إلى ساحة تنافس.
وتشير المناورات البحرية الهندية المتصاعدة، إلى جانب طموحاتها في المحيطين الهندي والهادئ، إلى انتقال من الدفاع الساحلي إلى دور أوسع في صياغة أمن المنطقة.
ويستشهد التقرير بقول عالم السياسة البريطاني باري بوزان، إن القرب الجغرافي يضخم الإدراك الأمني، ما يجعل أي تحرك عسكري قرب مناطق متنازع عليها مثار قلق للجيران.
ترى فير أوبزيرفر أن الهند تسعى إلى الاعتراف بها كطرف مسؤول في الأمن العالمي، غير أن رسائلها الإقليمية غالبًا ما تبدو أحادية الجانب.
حدود القوة
تحذِّر المجلة من افتراض أن أهداف الهند قسرية بالكامل، فتكامل قواتها وتقدمها التكنولوجي يعكسان مسارًا طبيعيًا لقوة صاعدة، غير أن طريقة إظهار هذا التطور تظل عاملًا حاسمًا، إذ تقاس الثقة الإستراتيجية بكيفية إدارة التصورات لا بمجرد عرض القدرات.
قد تكون تريشول سلاحًا ذا حدين، تعزز صورة الهند كقوة قادرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن فجوة بين تصورها الذاتي ونظرة المنطقة إليها.
تخلُص فير أوبزيرفر إلى أن المناورة تعرف الجيران بقدرات الهند، لكنها لا توضح لهم حدود هذه القدرات.
في جنوب آسيا، حيث التاريخ المُثقل وانعدام الثقة، قد يشكل هذا الغموض الفارق بين الردع المقبول والهيمنة المقلقة.
وترى المجلة أن القيادة الإقليمية قد تتحقق عبر ضمانات أقل حدة واستعراضات أقل صخبًا، معتبرة أن الحذر نفسه قد يكون دليلًا على القوة.