فيما كان الأمريكيون يترقبون حلولًا لأزمة المعيشة المتفاقمة، وجدوا أنفسهم أمام مغامرة عسكرية جديدة في فنزويلا بعد إطاحة القوات الأمريكية بالرئيس نيكولاس مادورو، وهذا التحول المفاجئ في أولويات دونالد ترامب أثار موجة من الإحباط بين ناخبيه الذين منحوه أصواتهم على وعد بتحسين أوضاعهم المالية، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال.
خيبة أمل
اختصر ديلون موكلي، صاحب شاحنة طعام يبلغ من العمر 38 عامًا في ريف أيداهو، مشاعر شريحة واسعة من الناخبين عندما علَّق ساخرًا على إعلان ترامب بأن أمريكا ستدير فنزويلا قائلًا: "ساحر، تمامًا ما صوّت له".
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن موكلي الذي دعم ترامب عام 2024 أملًا في إنهاء الحروب وكبح الإنفاق الحكومي وخفض التضخم، يعيش مفارقة مؤلمة: "أحقق أعلى دخل في حياتي، لكنني أشعر بأنني الأكثر إفلاسًا على الإطلاق"، مضيفًا أنه يشهد يوميًا رفض بطاقات ائتمان زبائنه، ويصف العام الأول لترامب بـ"خيبة الأمل الهائلة والضخمة"، مؤكدًا أنه سيصوت للحزب الليبرتاري أو سيمتنع عن التصويت في انتخابات التجديد النصفي.
الصورة لا تختلف كثيرًا عند أندريا جانسن، المقاولة البالغة 46 عامًا في مقاطعة جونسون بولاية كانساس، والتي صوتت لترامب كمستقلة، إذ تشكك في مبررات الإدارة للتدخل قائلة: "إنه يكذب تمامًا، هدفه النفط"، مذكّرة بأن ترامب أصدر عفوًا عن الرئيس الهندوراسي السابق المُدان بتهريب الكوكايين خوان أورلاندو هيرنانديز.
وتوضح جانسن أنها عندما سمعت تصريح الرئيس عبر الراديو أثناء عودتها من بيتها على البحيرة، انتابها شعور بالغثيان.
تراجعت طلبات مشروعات تجديد المطابخ لديها بشكل حاد، والمقاولون الفرعيون من عمال البلاط والخزائن والدهان يتصلون بها بحثًا عن عمل، بينما ترى أن الاقتصاد يتجه نحو الركود وأن ترامب "كله كلام بلا أفعال".
الاقتصاد هو المعركة الحقيقية
يؤكد المحلل الجمهوري ويس أندرسون من شركة "أون ماساج" أن التدخل في فنزويلا، مهما كانت نتائجه، لن يتفوق على "المحرك الأساسي لهذه الانتخابات، وهو شعور المواطن الأمريكي العادي تجاه الاقتصاد".
أظهرت الاستطلاعات قبل العملية العسكرية أن غالبية الأمريكيين يعارضون التدخل العسكري في فنزويلا، وأن التضخم والقدرة الشرائية يتصدران قائمة انشغالاتهم، متقدمين بفارق كبير على السياسة الخارجية.
الأرقام الاقتصادية تدعم هذا القلق، إذ إن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب أسهمت في استمرار التضخم، بعد أن حمَّلت بعض التكاليف للمستهلكين، فيما قفزت البطالة لأعلى مستوى في أربع سنوات خلال نوفمبر.
ورغم صمود النمو الاقتصادي، تبقى معنويات المستهلكين في الحضيض، إذ يتعمق الانقسام الاقتصادي بين الأمريكيين الذين يملكون منازل وأسهمًا، وبين الأسر المتوسطة المحرومة من سوق الإسكان والتي فاتتها مكاسب مؤشر S&P 500 البالغة 16% العام الماضي، كما أن أغلب الناخبين يعبرون عن رفضهم لطريقة إدارة ترامب للاقتصاد.
انقسام جمهوري
رغم التفاف الجمهوريين حول ترامب وترديدهم مبررات الإدارة بأن العملية محدودة النطاق وستوقف تدفق المخدرات عبر الحدود الجنوبية، تتصاعد الانتقادات من داخل الحزب، إذ يعتبر مارك شورت، الذي خدم في إدارة ترامب الأولى، أن الغارة على فنزويلا نجحت في الإطاحة بمادورو، لكنه يرى أن ترامب ينكث بالوعود الاقتصادية التي أعادته للبيت الأبيض: "انتُخب أساسًا بسبب قضيتين، وهما تأمين الحدود وخفض التكاليف. في القضية الأولى حقق إنجازات، لكن في ضبط التكاليف، أجندته التجارية تعمل ضده".
من جانبه، حاول وزير الخارجية ماركو روبيو تهدئة المخاوف في برنامج "ميت ذا بريس" على شبكة "إن بي سي"، مؤكدًا أن الإدارة لا تقود البلاد نحو صراع جديد، وأنه لا توجد قوات أمريكية على الأرض في فنزويلا، مضيفًا: "نحن في حرب ضد منظمات تهريب المخدرات، لا حرب ضد فنزويلا". لاحقًا وضَّح روبيو أن تصريح ترامب عن "إدارة فنزويلا" كان يُقصد به "إدارة السياسات".
رهانات النفط
بعض الجمهوريين يراهنون على أن التدخل سيفتح الباب أمام نفط فنزويلي أرخص، ما قد يخفض أسعار الوقود، إذ إن كاراكاس تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، لكن إنتاجها السنوي انخفض بأكثر من 60% منذ 2014.
في هذا الصدد، يرى جريج نونزياتا، المستشار الجمهوري منذ فترة طويلة، والمدير التنفيذي لجمعية سيادة القانون، يرى "أملًا حقيقيًا في تأثير إيجابي صافٍ على النمو الاقتصادي وتكلفة المعيشة يمكن تسويقه".
لكن نونزياتا، الذي عمل مستشارًا قانونيًا عامًا ومستشارًا للسياسة المحلية لروبيو بين 2013 و2016، يرى أن الإدارة فشلت حتى الآن في تقديم "حجة متماسكة ومستدامة أمام الشعب الأمريكي لما زعمت أنها فعلته" في فنزويلا.
ألان هورنبيكر، معلم سابق يبلغ 54 عامًا في شمال فيرجينيا، يعترف بأن محاولات تغيير الأنظمة السابقة لم تسر بسلاسة للولايات المتحدة، وأن صديقًا مقربًا له قُتل أثناء خدمته كعنصر في وحدة "سيل" البحرية في العراق.
مع ذلك، يدعم هدف وقف المخدرات غير المشروعة ولا يزال يثق بترامب الذي يعتقد أنه سيحسن الاقتصاد على المدى الطويل: "الأمر محفوف بعقبات محتملة قد تنفجر في وجوههم، لكنني لا أعرف، سأثق بهم في هذه المرة".