الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الرقابة والأسعار والانتظار.. عقبات في طريق طموحات أوروبا الدفاعية

  • مشاركة :
post-title
منظومات دفاعية جوية

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

يتصاعد النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول جدوى الاعتماد المستمر على المنتجات الدفاعية الجاهزة من خارج القارة، في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية وتتعاظم الحاجة إلى بناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة وقادرة على تلبية المتطلبات الإستراتيجية دون قيود خارجية.

الثلاثي الخطير

وحسب مجلة "فير أوبزيرفر" الأمريكية، فإنه على الرغم من دعوات قادة أوروبيين بارزين إلى شراء تكنولوجيا دفاع أوروبية، فما زالت دول الاتحاد الأوروبي تعتمد بشكل واسع على الأسلحة المستوردة، وهذا التوجه لا يضعف الاقتصاد الأوروبي فقط، بل يعرِّض الدفاع الأوروبي لمشكلات تتعلق بثلاثة عوامل رئيسية، هي: "انعدام الرقابة، ارتفاع الأسعار، وطول فترات الانتظار".

وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ضرورة شراء المنتجات الأوروبية لتعزيز القاعدة الدفاعية والتكنولوجية والصناعية، وتحفيز الابتكار، ومع ذلك، لا تزال غالبية المشتريات تأتي من الخارج، خاصةً من الولايات المتحدة، بدافع توافُر التكنولوجيا الجاهزة.

ترى المجلة الأمريكية أن هذا الاعتماد المستمر يُبقي الأسلحة تحت سيطرة حكومات أجنبية، ويُعرقل تطوير المنتجات المصنعة في أوروبا، كما يؤدي إلى فترات انتظار طويلة للغاية.

صواريخ باتريوت

في سبتمبر الماضي، تلقَّت شركة لوكهيد مارتن الأمريكية أكبر طلبية في تاريخها لصواريخ باتريوت الاعتراضية، بقيمة 9.8 مليار دولار، لشراء 1970 صاروخًا من طراز PAC-3 MSE، ضمن عقد يمتد حتى عام 2026.

قال اللواء فرانك لوزانو، من مكتب برنامج الصواريخ والفضاء بالشركة، إن العقد يتيح للجيش الأمريكي شراء كميات أكبر من الصواريخ وتسريع تسليمها، ما يساعد على ملء المخزون بشكل أسرع.

ورغم تسريع الإنتاج، تحذِّر المجلة من أن الدول الأوروبية قد تواجه مخاطر، إذ تُشرف وزارة الخارجية الأمريكية على مبيعات هذه التكنولوجيا، ولها صلاحية تحويل مسار السلع الدفاعية متى شاءت.

تجارب أوربية

في يوليو، أبلغ مسؤولون أمريكيون سويسرا أن أنظمة باتريوت الخمسة، التي طلبتها عام 2022، ستوجَّه الآن إلى أوكرانيا، دون تحديد موعد تسليم جديد، وقد يطول الانتظار بعد موافقة ألمانيا على شراء نظامين جديدين للتبرع بهما مقابل أولوية الإنتاج.

وتبرر دول أوروبية استيرادها الأسلحة الجاهزة من خارج أوروبا بأنها أسرع، غير أن تجربة سويسرا تظهر أن حجة التوافر ليست حاسمة، وقد تتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية، تشير المجلة إلى أن هذا الواقع يعزز التبعية ويقوِّض بناء حلول أوروبية سيادية.

واجهت الدنمارك مشكلات مع شحنات من شركة إلبيت، بعدما طلبت مدافع ذاتية الحركة وقاذفات صواريخ، وتبين لاحقًا عدم توافقها مع أنظمتها التقنية.

ويستغرق دمج هذه الأنظمة ثلاثة أضعاف المدة المتوقعة، إضافة إلى افتقار القوات المسلحة الدنماركية إلى الذخيرة والبنية التحتية اللازمة، ما قد يكلفها مليار كرونة إضافية، وتعكس التجربة مخاطر الاعتماد على موردين خارجيين دون توافق تقني كامل.

زيادة الكلفة

تحذِّر رئيسة المفوضية الأوروبية من أن الاعتماد على منتجات خارج الاتحاد الأوروبي يهدد مشروعات الدفاع الأوروبية قيد التطوير، ويخفض الطلب على المنتجات المتوافرة، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الإنتاج وارتفاع الأسعار.

توضح المجلة أن نظامي باتريوت وسامب تي يتمتعان باستخدامات وقدرات ونسب نجاح متقاربة، مع تفوق النظام الأوروبي في بعض الجوانب، كما أن تكلفة سامب تي أقل بمقدار الثلث من تكلفة باتريوت.

صواريخ بعيدة

يبرز الصراع الأوكراني الروسي حاجة الدول الأوروبية إلى امتلاك أسلحة دقيقة قادرة على توجيه ضربات متوسطة وبعيدة المدى، وتعمل شركة MBDA على تطوير صاروخها البري كروز LCM لتحقيق قدرة أوروبية سيادية.

يستند الصاروخ إلى صاروخ MdCN الذي أثبت فعاليته في المعارك، ومن المتوقع اختباره بين عامي 2027 و2028، ويعد مكوِّنًا محتملًا لمبادرة النهج الأوروبي متعدد الجنسيات للضربات بعيدة المدى.

مع ذلك، تدرس عدة دول أوروبية حلولًا خارج القارة، مثل شراء هولندا صواريخ توماهوك، وتفاوض ألمانيا على أنظمة تايفون أمريكية بحجة السرعة.

صفقات متعثرة

وقال المتخصص في الصواريخ فابيان هوفمان إن فترات الانتظار الإجمالية لصواريخ توماهوك قد تتراوح بين سنتين ونصف وثلاث سنوات، وتضيف المجلة أن ألمانيا ستواجه منافسة مع عملاء أمريكيين وأجانب، وستوضع في آخر قائمة الانتظار.

ولا تقتصر المشكلات على شركات الدفاع الأمريكية، فقد تأخر تسليم طائرات ستارلاينر بدون طيار التي طلبتها سويسرا من شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية عام 2015 بقيمة 246 مليون دولار، ولم تكتمل حتى الآن.

وفي عام 2023، قررت الشركة تركيز طاقاتها الإنتاجية على المجهود الحربي ضد غزة، ما أدى إلى تأجيل التسليم إلى نهاية عام 2026، والطائرات التي سلمت لا تعمل كما هو مُعلن، تشير المجلة إلى أن انسحاب سويسرا من الصفقة قد يكلفها 300 مليون فرنك سويسري، مع خطر دعاوى مضادة.

رقابة على الاستخدام

من مشكلات شراء الأسلحة من الخارج، غياب الاستقلالية في توقيت استخدامها أو استخدامها من الأساس، إذ تعلمت أوكرانيا هذا الدرس عندما مُنِعَت من استخدام صواريخها لشن هجوم مضاد على روسيا.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قدمت دفعات صغيرة من الصواريخ، لكن استخدامها كان مُقيَّدًا بحيث لا يمكن ضرب مدن روسية رئيسية، ما دفع أوكرانيا إلى استثمار أموال في تطوير صواريخ كروز بعيدة المدى خاصة بها دون شروط.

ويرى مركز بروجيل للأبحاث أن تسريع دورات التطوير ممكن في أوقات الزيادات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي، مع توقُّع انخفاض تكاليف الإنتاج.

ويخلُص المركز إلى أن أوروبا تملك فرصة لإعادة التسلح وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، بشرط تنفيذ إصلاحات جذرية في جانبي العرض والطلب في سوق الدفاع الأوروبي.