شدد مسؤولون غربيون هجومهم على حملة زعزعة استقرار مزعومة في جميع أنحاء أوروبا تُدبّرها روسيا، والتي زعموا أنها بدأت منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وتهدف إلى حرمان كييف من الدعم، وإثارة الانقسامات بين الأوروبيين، وتحديد نقاط الضعف الأمنية في القارة.
ونقل تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" عن عدد من المسؤولين أن كل عمل من هذه الحوادث الـ 145 المسجلة في قاعدة بيانات الوكالة، والتي تنوعت من تخريب الآثار إلى الهجمات الإلكترونية إلى حرائق المستودعات، يستنزف موارد أمنية قيّمة.
وقال رئيس أحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية الكبرى إن التحقيقات في التدخل الروسي المزعوم "باتت تستنزف من وقت الجهاز ما يُعادل ما تستنزفه التحقيقات في الإرهاب".
وبينما تُلقي هذه الحملة عبئًا ثقيلًا على أجهزة الأمن الأوروبية، فإنها لا تُكلّف روسيا شيئًا يُذكر، وفقًا لمسؤولين. والسبب هو أن موسكو تُنفّذ عمليات عابرة للحدود تتطلب من الدول الأوروبية تعاونًا مكثفًا في التحقيقات، وغالبًا ما تستخدم أجانب ذوي سوابق جنائية كوكلاء رخيصين لعملاء المخابرات الروسية.
ويشير التقرير إلى أن "هذا يعني أن موسكو تُحقق مكسبًا بمجرد استنزاف الموارد، حتى عندما لا تنجح المؤامرات".
وقال مسؤول استخباراتي أوروبي رفيع المستوى: "إنها عملية مستمرة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بين جميع الأجهزة لإيقافها".
ارتفاع حاد
تُظهر قاعدة بيانات "أسوشيتد برس" ارتفاعًا حادًا في عمليات الحرق العمد واستخدام المتفجرات، من عملية واحدة في عام 2023 إلى 26 عملية في عام 2024. وتم توثيق ست عمليات حتى الآن في عام 2025. وفي الوقت نفسه، تم تسجيل ثلاث حالات تخريب في العام الماضي، وحالة واحدة هذا العام.
وتقع الدول الأكثر استهدافًا على الحدود مع روسيا، وهما بولندا وإستونيا. كما وقعت عدة حوادث في لاتفيا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، وجميعها من كبار الداعمين لأوكرانيا.
ونقل التقرير عن مسؤول أوروبي، ومسؤول استخباراتي رفيع المستوى من دول البلطيق، ومسؤول استخباراتي آخر، أن الحملة هدأت بشكل ملحوظ في أواخر عام 2024 وبداية هذا العام.
وأظهر تحليلهم أن موسكو ربما أوقفت الحملة مؤقتًا لكسب ودّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجديدة، وقد استؤنفت منذ ذلك الحين بكامل طاقتها. وقال المسؤول الأوروبي: "لقد عادوا إلى ممارسة أعمالهم".
وزُعم أن تدبير المؤامرات التي تشمل مرتكبين من عدة دول، أو ممن عبروا الحدود، يستنزف موارد التحقيق من سلطات متعددة في جميع أنحاء أوروبا، "وهو أحد الأهداف الرئيسية لموسكو"، وفقًا لما ذكرته المدعية العامة الإستونية ترينو أوليف-آس.
وقالت إنّ نمط المهاجمين في إستونيا قد تغيّر خلال العام الماضي، من سكان محليين معروفين لدى أجهزة إنفاذ القانون إلى أجانب مجهولين، وهذا يتطلب تعزيز التعاون بين الدول لإحباط المخططات أو القبض على الجناة.
اللجوء إلى المجرمين
ينقل التقرير عن مسؤول من دول البلطيق أنه على الرغم من أن ضباط الاستخبارات الروسية قد يكونون العقول المدبرة لمثل هذه العمليات، إلا أنهم يعتمدون في كثير من الأحيان على المجندين — وغالبًا ما يكونوا مجرمين مدانين — الذين يسندون المهام إلى المخربين على الأرض.
ويعني الاستعانة بمصادر خارجية لأشخاص ذوي خلفيات إجرامية أن روسيا لا تضطر إلى المخاطرة بعناصر استخبارات مدربة تدريبًا عاليًا، أو عملاء غالبًا ما لا تستطيع موسكو اللجوء إليهم على أي حال منذ أن طردت الدول الأوروبية العشرات من الجواسيس مع تدهور العلاقات في السنوات الأخيرة.
وقال مسؤول من دول البلطيق إن الشبكات الإجرامية الروسية تقدم بديلًا جاهزًا، حيث يتم تجنيد أشخاص من السجون الأوروبية، أو بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحهم.
وأشار مسؤول أوروبي إلى أن المتهم بتنسيق مؤامرة لوضع متفجرات في طرود على متن طائرات شحن، على سبيل المثال، جُنّد من قبل المخابرات الروسية بعد تورطه في تهريب الأسلحة والمتفجرات.
وفي الوقت نفسه، حتى المؤامرات المزعومة التي يتم إحباطها "تعتبر مكسبًا لموسكو لأنها تختبر الدفاعات وتستنزف الموارد"، كما أشار التقرير.
وحسبما صرح جاك دوبرزينسكي، المتحدث باسم وزير الأمن البولندي، فإن العدد الهائل من المؤامرات يرهق بعض وكالات إنفاذ القانون، لكن حملة موسكو عززت أيضًا تعاونًا أكبر.
وقال المدعي العام الخاص في لاتفيا، مارتينش جانسونس، إن المدعين العامين في لاتفيا وليتوانيا وإستونيا شكلوا فرق تحقيق مشتركة للهجمات التي نظمتها أجهزة استخبارات أجنبية.
وأشار دومينيك مورفي، رئيس فرقة مكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة البريطانية لندن، إلى أنه في المملكة المتحدة، يتم تدريب ضباط الشرطة في الخطوط الأمامية على رصد الحوادث المشبوهة التي قد تكون مدعومة من دولة ما.
لكن المسؤولين يحذرون من أن روسيا تختبر باستمرار أساليب جديدة.