في قاعات محاكم مغلقة وعيادات خصوبة خاصة تمتد من كاليفورنيا إلى نيويورك، تتكشف ظاهرة صامتة حول لجوء مليارديرات ونخب صينية إلى تأجير الأرحام في الولايات المتحدة لإنجاب عشرات بل مئات الأطفال، مستفيدين من ثغرات تنظيمية وسوق خصوبة غير منظم على نطاق واسع.
وكشفت تقارير استقصائية في ديسمبر 2025 عن ظاهرة مثيرة للجدل تتعلق بقيام مليارديرات صينيين باستغلال قوانين "تأجير الأرحام" في الولايات المتحدة لبناء عائلات ضخمة، وصلت في إحدى الحالات إلى مئات الأطفال لشخص واحد.
رقابة محدودة
وفق تحقيق نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، لاحظ موظفون داخل محكمة أسرة في لوس أنجلوس، نمطًا غير عادي في طلبات تأجير الأرحام تكرر فيه اسم ملياردير صيني يدعى "شو بو" لإثبات الأبوة لأربعة أطفال لم يولدوا بعد، والذي أنجب بالفعل أو كان بصدد إنجاب ثمانية أطفال آخرين على الأقل عبر أمهات بديلات.
وفي جلسة سرية صيف 2023، لم يحضر "شو" شخصيًا، وظهر عبر الفيديو من الصين بمترجم، معلنًا رغبته في إنجاب نحو 20 طفلًا أمريكيًا ذكورًا لإدارة أعماله مستقبلًا.
وحسب "وول ستريت جورنال"، يسافر أثرياء صينيون إلى الخارج لأن تأجير الأرحام محظور محليًا، لإنجاب أعداد كبيرة من الأطفال بهدوء، وبسبب سرية الإجراءات القضائية، تبقى الرقابة محدودة.
ويدفع بعض الآباء الصينيين ملايين الدولارات، مستلهمين من إنجاب إيلون ماسك 14 طفلًا، لاستئجار أمهات بديلات في الولايات المتحدة، إذ يلقب "شو" نفسه أول أب في الصين، وشركته ذكرت على مواقع التواصل أن لديه أكثر من 100 طفل ولدوا بهذه الطريقة.
سوق الخصوبة
واستعان رجل أعمال آخر يدعى "وانج هويوو" بعارضات أزياء وغيرهن كمتبرعات بالبويضات لإنجاب عشر فتيات بهدف تزويجهن مستقبلًا لرجال ذوي نفوذ، وفق أشخاص مقربين من شركته التعليمية.
يقول عاملون في المجال إن بعض الآباء أنجبوا أطفالًا في الولايات المتحدة دون أن تطأ أقدامهم البلاد، نشأت منظومة تضم وكالات ومحامين وعيادات وخدمات نقل ورعاية، تسمح بشحن المادة الوراثية واستلام الطفل لاحقًا بكلفة تصل إلى 200 ألف دولار للطفل.
وجذب السوق الأمريكية المستثمرين، إذ لا تمنع معظم الولايات الأمريكية الآباء الأجانب من العمل مع أمهات بديلات، وكما أن القانون الصيني لا يحظر صراحة السفر لتأجير الأرحام، لكنه محل انتقاد رسمي وشعبي، مع اعتبار هذه الممارسة مشكوك فيها أخلاقيًا واستغلالية.
أرقام صادمة
الأطفال المولودون في الولايات المتحدة مواطنون أمريكيون بموجب التعديل الرابع عشر، وهي قضية سياسية مثيرة للجدل، وفي 2020 شددت الخارجية الأمريكية قيود تأشيرات سياحة الولادة، وفي يناير أصدر دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يقيد الجنسية، وهو قيد مراجعة المحكمة العليا، ولا يزال الغموض يحيط بتطبيقه على حالات تأجير الأرحام.
وقدم السيناتور ريك سكوت مشروع قانون لحظر تأجير الأرحام لأشخاص من دول بينها الصين، مستشهدًا بتحقيق فيدرالي حول زوجين صينيين أمريكيين لديهما أكثر من 20 طفلًا وُلِد معظمهم بهذه الطريقة.
ويقول ناثان تشانج، مؤسس "آي في أف يو إس أيه"، إن عملاء سابقين تحايلوا على سياسة الطفل الواحد الملغاة عام 2015، بينما ظهرت فئة جديدة من الأثرياء جدًا تطلب عشرات أو مئات الأطفال لبناء سلالة، ورفض تشانغ عميلًا طلب أكثر من 200 طفل دفعة واحدة.
ووفق "وول ستريت جورنال"، اشترى وانج هويوو بويضات بأسعار بين 6000 و7500 دولار، مفضلًا إنجاب فتيات، وتعرض لانتقادات إعلامية وانخفضت أسهم شركته.
وقالت هو ييهان، من عيادة في نيويورك، إن "الوكالات غالبًا ما ترحب بالطلبات المتعددة مقابل 40 إلى 50 ألف دولار للعملية الواحدة".
أظهرت دراسة لجامعة إيموري تضاعف لجوء الآباء الدوليين لتأجير الأرحام في الولايات المتحدة أربع مرات بين 2014 و2019، وكان 41% منهم من الصين، واستثمرت شركات صينية مثل جينكسين في عيادات أمريكية، ولم ترد على طلبات التعليق.
ردود متباينة
تقول جوي ميلان صاحبة وكالة لتأجير الأرحام إنها اكتشفت أن أبًا صينيًا تعاقد مع عدة وكالات، وأُصيب بالذعر عند اقتراب ولادة طفل رابع، وتحذر من عدم وجود طريق للعودة إذا ندم الآباء.
وتحذر منظمات القطاع من أكثر من حالتي تأجير متزامنتين، لكن التوصيات غير ملزمة، والعقوبة القصوى هي فقدان العضوية.
وتتغاضى الحكومة الصينية غالبًا عن هذه الممارسات، لكن متحدث السفارة الصينية قال إن تأجير الأرحام قد يسبب أزمة أخلاقية خطيرة.