قال علي ناصر محمد، رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الأسبق، إن ما جرى في اليمن عام 2011 لا يمكن توصيفه كثورة بالمعنى الدقيق، بل كان حراكًا سياسيًا شمل الشمال والجنوب، مؤكدًا أن تلك الأحداث كان من الممكن تفاديها لو جرت معالجة آثار حرب عام 1994 بشكل جاد.
وأوضح علي ناصر محمد، خلال لقائه مع الإعلامي سمير عمر في برنامج "الجلسة سرية" على قناة القاهرة الإخبارية، أنه تابع تطورات المشهد اليمني عن قرب، مستحضرًا مرحلة التوتر التي سبقت حرب 1994 بين الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح ونائبه آنذاك علي سالم البيض.
وأشار إلى أن تلك المرحلة شهدت محاولات متعددة لاحتواء الأزمة، من بينها عقد لقاء موسَّع في العاصمة الأردنية عمّان، ضم عددًا كبيرًا من الشخصيات اليمنية من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية، بما في ذلك قيادات حزبية ومشايخ، أبرزهم الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.
وأشار إلى أن الحوار اليمني في تلك الفترة كان يُدار خارج البلاد، حيث عُقدت اتفاقيات سابقة في القاهرة وطرابلس والكويت، مؤكدًا أنه كان يفضّل أن يتم الحوار داخل اليمن، سواء في صنعاء أو عدن أو حضرموت، إلا أن الأطراف اتفقت في نهاية المطاف على عقد اللقاء في عمّان، التي وفر فيها الملك حسين، رعاية للوفدين من الشمال والجنوب.
أزمة الوحدة اليمنية
وقال علي ناصر محمد إن الخلاف بين الرئيس علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض بلغ ذروته نتيجة قيام الوحدة اليمنية دون أسس واضحة، واصفًا ما جرى حينها بأنه "هروب إلى الوحدة ثم هروب من الوحدة"، وهو ما جعل الأوضاع قابلة للانفجار.
وأوضح أن تلك الحوارات أفضت في النهاية إلى توقيع ما عُرف بـ"وثيقة العهد والاتفاق"، التي يرى أنها "وُقِّعَت دون صدق حقيقي في الالتزام بتنفيذها".
وأضاف أنه كان في دمشق عندما تلقى دعوة لحضور الاجتماع المتعلق بالوثيقة، فتوجه إلى عمّان حيث التقى الرئيس علي عبدالله صالح في الليلة نفسها داخل قصر الهاشمية بحضور الملك حسين. وكشف أنه أبلغ الملك عشية التوقيع بملاحظاته، مؤكدًا أنه سيكون شاهدًا على الوثيقة لا موقعًا عليها، معربًا عن تشككه في التزام الأطراف الرئيسية بتنفيذها، وهو ما أثبتته التطورات اللاحقة.
وأوضح رئيس اليمن الجنوبي الأسبق أنه نصح العاهل الأردني الراحل الملك حسين بعدم السماح للأطراف اليمنية بمغادرة عمان قبل حسم الخلافات القائمة، واقترح استمرار بقاء الرئيس ونائبه في الأردن لفترة أطول، إلى حين تصفية الخلافات بالكامل، محذرًا من أن أي خلاف غير معالج بين القيادة السياسية سيقود حتمًا إلى صراع مسلح جديد، وهو ما لا يحتمله اليمن.
وكشف علي ناصر محمد عن عرض تلقاه للعودة إلى السلطة بعد الوحدة اليمنية، موضحًا أن الرئيس علي عبدالله صالح اقترح تعيينه نائبًا للرئيس ورئيسًا للوزراء بعد مغادرة علي سالم البيض، لكنه رفض العرض، معتبرًا إياه "عرض حرب"، مؤكدًا أنه لا يقبل لا بالانفصال ولا بالحرب، وأنه فضل الابتعاد عن السلطة في تلك المرحلة.
تراكمات طويلة
وأكد أن ما حدث في اليمن عام 2011 كان نتيجة تراكمات طويلة بدأت منذ الثمانينات من القرن الماضي، في ظل غياب المصالحة السياسية، مشيرًا إلى أن الإقصاء وتجاهل الأزمات أدى إلى هروب الناس وتشكُّل رأي عام طالب بحقوقه، تطور لاحقًا إلى حراك سياسي في الجنوب ثم في الشمال، وانتهى بتغييرات سياسية واسعة.
وتحدث علي ناصر محمد عن شعوره تجاه رحيل الرئيس علي عبدالله صالح من السلطة، مؤكدًا أنه حزن لذلك وكان يتمنى أن يواصل صالح الإصلاحات ويعالج المشكلات القائمة، مشيرًا إلى أنه نصحه أكثر من مرة، لكن تلك النصائح لم تُؤخذ بعين الاعتبار.
وكشف عن محاولات قام بها اللواء الراحل عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية الأسبق، لإجراء مصالحة بينه وبين الرئيس علي عبدالله صالح، من خلال لقاءات متعددة، لكنها لم تسفر عن نتائج، مؤكدًا أنه لم يقطع علاقته بصالح، وحزن لرحيله لاحقًا.
وحذر علي ناصر محمد من خطورة الانقسام الحالي في اليمن، مشيرًا إلى وجود أكثر من رئيس وحكومة وبرلمان وجيش، معتبرًا أن هذا الوضع يمثل تهديدًا للوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي. وأكد أن الحل يكمن في استعادة الدولة برئيس واحد، وحكومة واحدة، وجيش واحد.
ودعا إلى عقد مؤتمر يمني شامل يضم جميع الأطراف دون استثناء، بهدف وقف الحرب وتحقيق الاستقرار، مؤكدًا أن القرار في اليمن لم يعد يمنيًا بالكامل، بل يتأثر بعوامل إقليمية، وأن استقرار اليمن يمثل استقرارًا للمنطقة بأكملها.