بينما نقلت الولايات المتحدة عشرات من أخطر سجناء المكسيك، مكبلي الأيدي والأقدام، على متن طائرات عسكرية تحت حراسة مشددة هذا العام، فإنها تتوقع أن يكون الثمن سيلًا من المعلومات التي تُمكّن واشنطن من تتبع أكبر عصابات المخدرات في العالم.
كان قادة العصابات المكسيكية، المسؤولين عن تهريب أطنان من الهيروين والفنتانيل والكوكايين والميثامفيتامين إلى المشترين الأمريكيين الشرهين، يواجهون تهمًا قد تبقيهم محتجزين في سجون شديدة الحراسة لبقية حياتهم. لكن بوجود رجال من أعلى مستويات أكبر المنظمات الإجرامية في المكسيك، بينها "سينالوا"، و"خاليسكو"، و"زيتاس"، يتوقع المسؤولون الأمريكيون أن يشارك العديد منهم معلومات مباشرة عن عمليات عالم الجريمة في البلاد.
وتتنوع المعلومات المأمولة من أسرار التهريب وعمليات غسيل الأموال إلى أسماء المسؤولين في الحكومة والجيش وأجهزة إنفاذ القانون والمصرفيين الذين يتقاضون رواتبهم لخدمة صناعة الاتجار بالمخدرات.
وحسب ما نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أتيحت لقادة العصابات المحتجزين في الولايات المتحدة فرصة التعاون مع السلطات في بعض الأحيان مقابل تخفيف الأحكام وظروف سجن أكثر راحة.
ووفق التقرير، كان نقل 55 من زعماء المخدرات المكسيكيين إلى الولايات المتحدة -وهم الدفعة الأولى في هذا البرنامج- مهمة سرية عالية المخاطر، عمل فيها 2000 عنصر من القوات الخاصة المكسيكية، حيث خشي المسؤولون من أنه في حال انتشار الخبر، سيحاول زعماء العصابات الهرب، أو إثارة الشغب، أو رفع دعاوى قضائية.
كما اعتقدت السلطات أن العصابات قد تحاول اغتيال قادتها، بدلًا من المخاطرة بكشف أسرارهم لأجهزة إنفاذ القانون الأمريكية.
تعاون أمريكي مكسيكي
عندما بدأت عملية النقل، ظنّ بعض السجناء أنهم في طريقهم إلى الحرية، ظانّين أن رشاوي الحكومة قد أثمرت، وفقًا لمسؤول مكسيكي. لكن بدلًا من ذلك، دُفعوا في ناقلات جند مدرعة، واقتيدوا إلى طائرة عسكرية نقلتهم إلى سجن "ألتيبلانو" شديد الحراسة، على بُعد نحو 80 كيلومترًا غرب مدينة مكسيكو سيتي.
وصعد السجناء -وهم تجار مخدرات متنافسون أمروا بقتل آلاف من رجال بعضهم البعض- على متن ست طائرات عسكرية مكسيكية، متجهين إلى شيكاجو وفينيكس وسان أنطونيو ونيويورك ومطار دالاس الدولي في فرجينيا.
وحسب التقرير، طردت المكسيك الـ55 سجينًا لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ما سمح للمسؤولين المكسيكيين بتجاوز متطلبات إخطار ممثليهم القانونيين. كما صرّحت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، في سبتمبر المقبل، بأن قرار الطرد اتُخذ "لضمان أمن وسلامة بلادنا، وهو جزء من التعاون مع الولايات المتحدة".
وقال مسؤولون مكسيكيون إن زعماء العصابات المسجونين هدّدوا مسؤولين حكوميين، ونقلت "وول ستريت جورنال" عن بعضهم إن اختيار الزعماء من جميع الكارتلات الكبرى وفصائلها أظهر أن إدارة شينباوم "لم تكن تفضل أيًا منهم".
كانت فكرة استخدام قوانين الأمن القومي المكسيكية طُرحت لأول مرة خلال إدارة بايدن، لكن كان الدافع وراء هذا التحرك ضغوط إدارة ترامب، بما في ذلك التهديد بفرض رسوم جمركية عقابية إذا لم تُكثّف المكسيك جهودها في مكافحة تهريب المخدرات.
ويعتقد المسؤولون المكسيكيون أن عمليات الطرد ساعدت شينباوم على تجنب التدخل الأمريكي. وأعربوا عن خشيتهم من أنه في غياب تكثيف التعاون، ربما كانت إدارة ترامب ستنفذ عمليات قتل مستهدفة أو ضربات بمسيّرات على مختبرات الفنتانيل، ما قد يُدخل العلاقات الأمريكية المكسيكية في أزمة.
تأمين وخداع
قبل أسابيع من بدء عملية الترحيل، سيطرت السلطات على أكثر من 12 سجنًا مكسيكيًا، على أمل تجنب تسريب المعلومات ومحاولات الهروب.
تم استبدال مديري السجون. واستُبدلت شركات تقديم الطعام لحماية السجناء من التسمم. واستُعين بموردين جدد لكاميرات المراقبة. واستُبدل حراس السجون بقوات خاصة لمنع أي شخص من الإبلاغ عن زعماء العصابات. وحُبس بعض السجناء في عزلة لمنع تبادل المعلومات.
كما تطلبت الرحلات العسكرية المتجهة إلى سجن ألتيبلانو توقفاتٍ لنقل السجناء من جميع أنحاء المكسيك. وأجرت الحكومة دراسات لتحديد ساعات أخف حركة المرور من ألتيبلانو إلى مهبط طائرات بالقرب من مكسيكو، حيث سيستقل الرجال رحلات جوية إلى الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤول إن السلطات أنشأت مرافق لإيوائهم لمدة ثلاثة أيام على الأقل في حالة تأخر الرحلات الجوية إلى الولايات المتحدة.
أيضًا، راقب المسؤولون عن كثب كاميرات المراقبة الأمنية في ألتيبلانو، وهو السجن الذي نفّذ فيه أسطورة المخدرات "إل تشابو" عملية هروبه الشهيرة عام 2015، حيث تسلل عبر ثقب في زنزانته إلى نفق مُجهّز بدراجة نارية مثبتة على قضبان، يقود إلى مخبأ قريب.
وقبل أيام من نقل أحد الزعماء في أغسطس الماضي، غادرت القوات الخاصة السجن في موكب من المركبات المدرعة متجهةً إلى مدينة مكسيكو كطُعم، بينما كان هناك موكبًا ثانيًا أكثر سريةً نقل تاجر المخدرات عبر طريق مختلف. وحلقت مُسيّرة فوق المواكب لتوفير المراقبة.