في ظل تصاعد النزاعات وتغير موازين القوة، تواجه الديمقراطيات الغربية تحديات حاسمة في الحفاظ على النظام الليبرالي القائم على القواعد، إذ شهد العالم خلال السنوات الأربع الماضية تحولات عميقة سرعان ما قلبت معادلات النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
وحسب مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، فإن تحولات النظام الدولي والتوترات بين الغرب والشرق والجنوب العالمي تطرح ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية لضمان مستقبل مستقر في عالم متغير.
نظام عالمي متغير
شهدت السنوات الأخيرة تصاعد الصراعات في مناطق عدة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، ما يعكس نهاية عصر ما بعد الحرب الباردة. فقد تحوّل النظام الليبرالي القائم على التعاون متعدد الأطراف إلى عالم تتصارع فيه القوى الكبرى، وبرزت منافسة جيوسياسية حادة بين الولايات المتحدة والصين.
بينما بدأت القوى المتوسطة الصاعدة مثل البرازيل والهند والمكسيك ونيجيريا وجنوب إفريقيا وتركيا تلعب دورًا محوريًا في تشكيل مستقبل النظام العالمي. ويعكس هذا التغير، وفق المجلة الأمريكية، صراعًا بين الغرب العالمي والشرق العالمي والجنوب العالمي، حيث يلعب الجنوب دورًا حاسمًا في اختيار مسار التعاون أو الصراع.
تجربة فنلندا
وتقدم تجربة فنلندا نموذجًا للواقعية القائمة على القيم في السياسة الخارجية، حيث تجمع بين الالتزام بالمبادئ الأساسية كسيادة القانون وحقوق الإنسان وبين التكيف مع الواقع السياسي الجيوستراتيجي.
وتعلمت فنلندا، عبر تاريخها وحربها مع الاتحاد السوفيتي، أهمية الموازنة بين القيم والمصالح، وبحسب المجلة الأمريكية، هو نهج يجب أن يعتمده الغرب العالمي في تعامله مع الجنوب والشرق العالميين، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي والتاريخي والاقتصادي بين الدول.
ثلاثي القوة العالمي
يتشكل النظام الدولي حاليًا من ثلاث مناطق قوة رئيسية: الغرب العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ويضم دول الديمقراطية ذات الاقتصاد السوقي، والشرق العالمي بقيادة الصين وحلفائها الذين يسعون إلى تعديل النظام القائم، والجنوب العالمي الذي يضم العديد من دول العالم النامية والمتوسطة الدخل.
وتوضح المجلة الأمريكية أن صراع النفوذ بين هذه المكونات الثلاثة سيحدد شكل النظام العالمي في العقود المقبلة، ما يجعل التعاون مع الجنوب العالمي أمرًا حيويًا للغرب؛ فلا يكفي فيه الترويج للقيم، بل يجب تقديم دعم ملموس ومشاركة حقيقية في صنع القرار.
إصلاح المؤسسات
يعد الحفاظ على النظام متعدد الأطراف، رغم عيوبه، الخيار الأفضل لتفادي الفوضى والصراعات، ويتطلب ذلك تحديث المؤسسات الدولية. وتقترح المجلة إصلاح مجلس الأمن الدولي بإضافة تمثيل دائم لإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وإلغاء حق النقض الفردي (الفيتو)، وفرض عقوبات على الأعضاء الذين يخرقون ميثاق الأمم المتحدة.
كما تشير إلى أهمية تحديث منظمة التجارة العالمية والمؤسسات المالية الدولية لتعزيز الشفافية والفعالية. وتؤكد المقالة أن الإصلاح ممكن، لكنه يتطلب إرادة سياسية قوية من الدول الأعضاء، خصوصًا من الولايات المتحدة التي لعبت دورًا محوريًا في بناء النظام العالمي بعد الحرب.
سيناريوهات مستقبلية
ترسم المجلة ثلاثة سيناريوهات محتملة للنظام العالمي خلال العقد المقبل: استمرار الاضطراب مع تراجع الاحترام للقواعد، وانهيار النظام الليبرالي ودخول العالم في فوضى وصراعات متزايدة، أو تحقيق توازن جديد بين القوى الثلاث يعزز التعاون العالمي على أساس قيم مشتركة ويدعم إصلاح المؤسسات الدولية.
وترى المجلة أن السيناريو الأخير هو الأنسب والأكثر استدامة، لكن تحقيقه يتطلب إرادة مشتركة وتعاونًا حقيقيًا بين الغرب والشرق والجنوب العالمي.
تسلّط المجلة الضوء على أن العالم اليوم عند مفترق طرق يشبه تلك التي مرت بها الإنسانية في أعوام 1918 و1945 و1989، وأن الطريقة التي ستتعامل بها الدول، وخاصة الغرب العالمي، مع هذا الواقع الجديد ستحدد مدى قدرة النظام العالمي على البقاء والاستقرار أو الانهيار في فوضى جديدة.
كما تؤكد أن مسؤولية الغرب في بناء نظام عادل ومتوازن تُعد فرصته الأخيرة للحفاظ على القيم التي بُني عليها النظام العالمي وتجنب الانزلاق إلى عالم أكثر اضطرابًا.