تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم في مواجهة أزمة إستراتيجية متصاعدة، بعد أن فرضت الصين سلسلة من القيود على تصدير المعادن النادرة، وهي المواد الأساسية التي تعتمد عليها الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الأمريكية.
هذه التطورات، التي وصفتها صحيفة "واشنطن بوست" بأنها "ضربة مباشرة إلى الأعصاب الحساسة في واشنطن"، كشفت مدى هشاشة منظومة الأمن الصناعي الأمريكي، وعمق الفجوة التي تفصلها عن قدرات المعالجة الصينية.
أزمة الاعتماد
شنَّت ميج رايس، المستشارة السابقة للسيناتور ميت رومني ومؤسسة شركة SolidIntel، هجومًا لاذعًا على ما وصفته بـ"التراخي البيروقراطي" الذي سمح للصين ببناء هيمنتها الشاملة على سلسلة المعادن النادرة.
وتؤكد رايس أن الصين تتحكم بأكثر من 90% من القدرة العالمية على المعالجة، فيما تظل الولايات المتحدة مرتهنة للمنشآت الصينية للحصول على المواد التي تُستخدم في صناعات دفاعية حساسة.
وأضافت: "الصين تمسك بيدها الرافعة التي تتحكم بإيقاع الإنتاج العسكري الأمريكي".
وترى "رايس" أن الأزمة ليست بيئية بل تنظيمية، فالقوانين الأمريكية، خاصة "قانون السياسة البيئية الوطنية"، تفرض مراجعات قد تستغرق أكثر من عامين، يليها نزاع قضائي يمكن أن يجمّد مشروعات التعدين لسنوات إضافية.
وتشير إلى أن المستثمرين يعزفون عن ضخ الأموال في مشروعات يستغرق ترخيصها وقتًا أطول من فترة الإدارة الرئاسية نفسها.
اتساع الفجوة الصناعية
وتربط رايس بين بطء الترخيص والتهديدات الإستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ففي حال اندلاع مواجهة، تقول إن نقص القدرة على المعالجة سيخلق "ثغرة في السيطرة والقيادة"، إذ سيعتمد الجيش الأمريكي على مورد خارجي قد يقرر قطع الإمدادات في أي لحظة.
ولفتت إلى أن "الفوز في الحروب الحديثة يتعلق بالقدرة على الاستمرار، لا بتفوق السلاح في اليوم الأول".
وتذكر الكاتبة أن إدارة ترامب اتخذت خطوات لتسريع إنتاج المعادن الحيوية، لكنها ترى أن الأزمة تتطلب تشريعات مستقرة تتجاوز تغير الإدارات، وجدولًا زمنيًا واضحًا للمراجعات البيئية، وتسريعًا لمشروعات المعالجة في المناطق الصناعية القائمة.
كما دعت البنتاجون إلى وضع خطط شراء لسنوات عدة لتوفير "إشارة ثقة" للمستثمرين.
أزمة البنية التحتية
ويرى المحلل الصيني جيانج يوتشو أن المسألة لا تتعلق بالتراخيص فحسب، بل بغياب منظومة تقنية متكاملة تمتلكها الصين منذ عقود، فعمليات تصميم المواد وفصل المعادن والتلبيد المغناطيسي والسباكة الدقيقة ليست مجرد مراحل إنتاج، بل نظام بيئي متكامل من المعرفة والخبرة، بحسب موقع "أوبزرفر" الصيني.
وعلى مدى 15 عامًا من محاولة "فك الارتباط"، أخفقت واشنطن في تجاوز المرحلة الأولى من سلسلة القيمة.
وتشير بيانات S&P Global إلى أن الولايات المتحدة تحتاج في المتوسط إلى 29 عامًا للانتقال من اكتشاف منجم إلى تشغيله، وهو زمن أطول حتى من زامبيا، كما يتطلب الحصول على تراخيص الصهر والتكرير من 7 إلى 10 سنوات، مقابل عامين فقط في كندا وأستراليا، ما يفسر ارتفاع الاعتماد الأمريكي على الواردات إلى أعلى مستوى خلال عقدين.
وبحسب الرابطة الوطنية للتعدين، تضاعف اعتماد الولايات المتحدة على واردات المعادن الحيوية خلال السنوات العشرين الماضية، ودفع ذلك واشنطن إلى التحرك خارجيًا من خلال تنظيم قمة مع دول آسيا الوسطى الغنية بالموارد، وتوسيع قائمة "المعادن الحرجة" لدى البنتاجون.