الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

دلالات التوقيت.. دوافع زيارة ماكرون لإفريقيا

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تاتى جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فى الفترة من 20 إلى 24 نوفمبر 2025، التي يزور خلالها أربع دول إفريقية هي: موريشيوس، وجنوب إفريقيا، والجابون، وأنجولا في إطار السعي الفرنسي لاستعادة النفوذ داخل دول القارة الإفريقية. وهو النفوذ الذى اتجه في الآونة الأخيرة للتراجع لصالح النفوذين الصيني والروسي فى ظل ما تمتلكه القارة السمراء من موارد طبيعية وبشرية تسعى القوى الكبري للتكالب عليها. وهو ما يجعل من تعزيز مناعة الدول الإفريقية ضد ذلك التكالب الدولي أولوية أولى لقادتها، وبما يسهم فى إرساء ركائز الدولة الإفريقية، وتطوير مؤسساتها، للاستفادة من فرص التنمية واستغلالها لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

دوافع متنوعة

تتنوع دوافع جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فى الدول الإفريقية الأربع: موريشيوس، وجنوب إفريقيا، والجابون، وأنجولا، وهو ما يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) بناء شراكات جديدة: تمتلك إفريقيا مقومات اقتصادية جعلت القارة توصف بأنها مستقبل العالم، إذ يقع أكثر من نصف الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى العالم في القارة، كما أن سكان القارة يبلغ 1.421 مليار نسمة؛ بما يمثّل 17.8% من عدد سكان العالم، كما أن شباب القارة دون الخامسة والعشرين يشكّلون قرابة 65% من سكانها، بما يجعلها سوقًا مستقبلية واعدة لسوق العمل، ومن المتوقع أن يصل عدد سكان القارة إلى 2.5 مليار نسمة معظمهم من الشباب بحلول عام 2050.

وتعتبر القارة مركزًا للثروات الطبيعية، إذ تختزن إفريقيا في باطن أرضها 40% من ذهب العالم، و90% من معدن الكروم والبلاتين، فضلًا عن احتياطيات الماس واليورانيوم والمياه العذبة.

هذه المقومات الاقتصادية الواعدة دفعت بالقوى الدولية للتكالب على ثروات القارة، الذى تجلي فى التنافس الدولي بين القوى الكبرى ومنها فرنسا التى تسعى لبناء شراكات اقتصادية جديدة مع العديد من دول القارة، دفعت ماكرون للقيام بالعديد من الجولات الإفريقية فى الأقاليم المختلفة للقارة منها جولته فى مارس 2023 التي شملت أربع دول هي: الجابون وأنجولا، والكونغو، والكونغو الديمقراطية. وكذلك جولته في 20 ديسمبر 2024 إلى منظقة القرن الإفريقي، التى شملت جيبوتي وإثيوبيا بعد غياب استمر خمس سنوات عن المنطقة منذ الزيارة الأخيرة إليها عام 2019.

(*) الحد من تراجع النفوذ الفرنسي: شهدت القارة الإفريقية منذ عام 2020 العديد من الأزمات التي أدت إلى الإطاحة بثمانية حكام في ست دول هي: مالي( 2020)، تشاد (2021)، غينيا (2021)، بوركينافاسو (يناير 2022 ، سبتمبر 2022)، والنيجر( 2023)، والجابون( 2023).

وكان القاسم المشترك في تلك الأزمات وما أعقبها من إزاحة للحكام، بأن دولها تنتمى إلى منطقة غرب ووسط إفريقيا، كما أن توجهات القادة الجدد لهذه الدول أضحت ذات ميول معادية لفرنسا التى ظلت علاقاتها بمستعمراتها السابقة فى إفريقيا قائمة على ركائز من الروابط الاقتصادية العميقة، والتغلغل الثقافي في إطار الفرانكفونية. الأمر الذى أدى إلى تراجع النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية، على وجه العموم، وفي منطقة الغرب الإفريقي تحديدًا، الذى أرجعه البعض إلى تشكل نخبة إفريقية جديدة ترفض الهيمنة الفرنسية باعتبار أن تلك الشراكات الفرنسية مع الدول الإفريقية كانت تخدم بالأساس المصالح الفرنسية.

(*) مواجهة تنامى النفوذين الروسي والصيني: يشكّل تنامى النفوذ الصيني والفرنسي فى القارة الإفريقية خَصْمًا من الوجود الفرنسي، لا سيما أن النفوذ الفرنسي قام على استغلال المجتمعات الإفريقية لصالح المصالح الفرنسية والغربية بالأساس، فى حين تسعى الصين إلى إقامة علاقات مع الدول الإفريقية من خلال دعم جهود التنمية داخلها، وذلك من خلال المساعدة فى تشييد البنية التحتية ومد الطرق وإنشاء الكباري، والمساهمة فى بناء المستشفيات، وصولًا لتوسيع استثمارات الشركات الصينية في إفريقيا فى مختلف المجالات. الأمر الذى دفع بالتعاون الصيني الإفريقي إلى آفاق واعدة.

ووفقًا لإحصائيات عام 2021، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا نحو 282 مليار دولار، لتحتل المرتبة الأولى كأكبر شريك تجاري مع إفريقيا. كما تزايد النفوذ الروسي فى القارة الإفريقية سواء من خلال أنشطة مجموعة فاجنر أو من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي عقب الأزمة الروسية الأوكرانية، لا سيما أن روسيا تسعى إلى تعزيز وجودها في إفريقيا لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الدول الغربية، وقد وصل حجم التبادل التجاري الروسي مع إفريقيا ما يقرب من 18 مليار دولار عام 2022، وعلى الرغم من انخفاضه مقارنة بالتبادل التجارى مع القوى الكبرى الأخرى، فإن موسكو ليس لديها إرث استعماري فى إفريقيا، بما يجعل منها شريكًا استراتيجيًا وفقًا للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة مع دول القارة.

محطات الزيارة

تأتى محطات جولة ماكرون الإفريقية لتشمل الدول الأربع كالتالي:

(*) موريشيوس: تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موريشيوس يومي 20و 21 نوفمبر 2025. وهي الزيارة الثانية خلال العام الجارى، حيث جاءت الزيارة الأولي في أبريل 2025، التى جاءت ضمن جولة ماكرون لكل من مايوت ولاريونيون (منطقتان فرنسيتان ضمن أقاليم ما وراء البحار) ومدعشقر، وموريشيوس. حيث شارك ماكرون فى قمة بمدغشقر تضم خمس دول جزرية هى: مدغشقر وموريشيوس، وجزر القمر، وسيشل، وفرنسا كممثلة للأريونيون.

وجاءت تلك الجولة في إطار المسعى الفرنسي للتصدي لطموحات الصين وروسيا في هذه المنطقة، فضلًا عن تمسك ماكرون باستراتيجيته المتعلقة بمنطقة الهندى والهاديء من خلال الرغبة في التأكيد على فرنسا قوة إقليمية، وتعزيز التعاون مع دول جنوب غرب المحيط الهندي. وتكتسب موريشيوس أهميتها بالنسبة لفرنسا باعتبارها دولة جزرية تقع في المحيط الهندي بنحو 2000 كيلو متر أمام الساحل الجنوبي في شرق إفريقيا. كما أنها عضو في الاتحاد الإفريقي، والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (سادك) ولجنة المحيط الهندي ودول الكوميسا، كما أنها شكّلت رابطة حافة المحيط الهندي.

(*) جنوب إفريقيا: تأتي جنوب إفريقيا المحطة الثانية فى جولة ماكرون الإفريقية التى يزور خلالها جوهانسبرج للمشاركة في فعاليات قمة العشرين التى تستضيفها دولة جنوب إفريقيا فى الفترة من 22 إلى 23 نوفمبر 2025، التى تأتى تحت شعار المساواة - الاستدامة - التكافل. وهى القمة التي سيشارك فيها الاتحاد الإفريقي كعضو فى مجموعة العشرين بعد أن أقرت قمة العشرين التى عُقدت في الهند نوفمبر 2023 بانضمام الاتحاد الإفريقي إلى المجموعة بناء على اقتراح الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

وتسعى جنوب إفريقيا خلال قمة العشرين لمناقشة العديد من القضايا التى تقع على أجندة الدول الإفريقية ومنها قضية المساواة التى تعد أحد مصادر تهديد الاستقرار العالمي فى ظل تبلور ظاهرة تركز الثروات، وتنامي الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، كما تشكّل قضية الديون إحدى الأزمات التى تحتاج إلى دراسة مستفيضة، إذ تشكّل أحد معوقات التنمية في الدول النامية، ومنها الإفريقية.

(*) الجابون: تأتي الجابون فى المحطة الثالثة من جولة ماكرون الإفريقية، باعتبار أنها إحدى الدول التى تتمتع بشراكة استراتيجية مع فرنسا برغم ما شهدته من تغيير لنظام الحكم بها في أغسطس 2023. وهو الأمر الذى دفع الرئيس الفرنسي ماكرون لاستقبال الرئيس الانتقالي بالجابون أوليجي نجويما في باريس فى 31 مايو 2024، حيث تم التوقيع على مذكرات تفاهم تخص البنية التحتية للموانيء والسكك الحديدية والطرق. ومع اختيار نجويما رئيسًا للبلاد في مايو 2025 تأتى زيارة ماكرون لترسل رسائل متعددة منها الدعم السياسي للجابون الغنية بالثروات المعدنية والنفطية، وطمأنة شركاء فرنسا الاقتصاديين، فضلًا عن التخفيف من حدة المشاعر المعادية لفرنسا في إفريقيا.

(*) أنجولا: تأتي أنجولا المحطة الرابعه والأخيرة في جولة ماكرون الإفريقية، التى تحظى بأهمية خاصة لدى باريس في ظل المشروعات المتنوعة التى تنفذها شركة الطاقة الفرنسية توتال. وتكتسب أنجولا أهميتها لفرنسا من خلال موقعها في منطقة البحيرات الكبرى في الجنوب الإفريقي. كما تسعى أنجولا لتبني سياسة خارجية متعددة الأقطاب، عقب تقليلها الاعتماد على تمويلات صينية بمشروعات البنية التحتية، وبيعها حصة شركة ألروسا الروسية (41% من مناجمها) فى نوفمبر 2024 لصندوق استثماري عُماني. وهو ما ينهي تدخل روسي لأكثر من عقدين بقطاع الماس.

مجمل القول تأتى جولة ماكرون الإفريقية فى ظل تحولات دولية شديدة التعقيد ترتبط بسعي القوى الكبرى منها الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا، لتعزيز شراكاتها التنموية مع دول القارة الإفريقية، في ظل تراجع فرنسي ملموس للوجود فى مناطق النفوذ التقليدية داخل القارة السمراء. وهو ما جعل الرئيس الفرنسي يسعى لتعزيز الوجود الفرنسي من خلال الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. وهى محفزات للقوة الناعمة سيتوقف انتشارها على مدى مساهمتها فى تعزيز فرص التنمية الإفريقية بدلًا من ممارسات الهيمنة والنفوذ التى بدأت في الأفول التدريجي.