الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

قطعة قماش في متحف.. الحمض النووي لـ"هتلر" يكشف أسرارا شخصية

  • مشاركة :
post-title
الزعيم الألماني الراحل أدولف هتلر

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

بعد الكشف عن نتائج تحليل الحمض النووي للزعيم الألماني الراحل أدولف هتلر، والذي استند إلى قطعة قماش ملطخة بالدماء من مخبأه الأخير، فُتِح باب النقاش حول أصول الديكتاتور الألماني وحالته الصحية، وأثار في الوقت نفسه موجة واسعة من الأسئلة الأخلاقية بشأن جدوى البحث من الأساس.

العينة النادرة

أوضحت شبكة "بي بي سي" البريطانية أن نقطة البداية في هذا البحث كانت قطعة قماش عمرها 80 عامًا، اقتطعها العقيد روزويل ب روزنجرين من الأريكة الموجودة في مخبأ هتلر بعد انتحاره نهاية الحرب العالمية الثانية، واحتفظ الضابط بالقماش كغنيمة حرب، وهي الآن معروضة في متحف جيتيسبيرج للتاريخ في الولايات المتحدة.

ويرى العلماء أن العينة تعود فعلًا لـ"هتلر"، بعدما تمكنوا من مطابقة الكروموسوم Y الوارد فيها مع عينة من قريب ذكر جُمعت قبل عشر سنوات، ويعد هذا التطابق مؤشرًا أساسيًا اعتمد عليه الفريق لتأكيد هوية الحمض النووي قبل البدء في تسلسله.

وبحسب التقرير، تعد هذه أول مرة يتم فيها التعرف على الحمض النووي لهتلر بشكل كامل، بعد أربع سنوات من العمل المخبرى على تحليل تركيبته الجينية.

قطعت قطعة القماش من الأريكة الموجودة في مخبأ هتلر والتي بها بقعة الدم في أسفل اليسار
نتائج أصلية

تشير شبكة "بي بي سي" إلى أن التحليل تمكن من دحض الشائعات القديمة حول امتلاك هتلر أصولًا يهودية، وهي شائعة متداولة منذ عشرينيات القرن الماضي، وأظهر الحمض النووي أيضًا إصابته بمتلازمة كالمان، وهو اضطراب وراثي يؤثر على البلوغ ونمو الأعضاء التناسلية، وقد يؤدي إلى صغر القضيب وعدم نزول الخصيتين.

هذه النتائج توافق شائعات قديمة، غير أن البعد العلمي منحها أساسًا بيولوجيًا لأول مرة، ويشير مؤرخون ظهروا في الفيلم الوثائقي إلى أن هذا الاضطراب قد يفسر انشغاله التام بالسياسة على حساب الحياة الشخصية.

وترى البروفيسور توري كينج، خبيرة علم الوراثة، أن هذه النتائج تمثل دمجًا مهمًا بين التاريخ والوراثة، وتقدم منظورًا جديدًا لطبيعة شخصية هتلر وسلوكه.

اضطرابات محتملة

حسب "بي بي سي"، حلل الفريق العلمي جينوم هتلر وفق نظام التقييم متعدد الجينات، فوجد استعدادًا كبيرًا لديه للإصابة بالتوحد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، ورغم ذلك، يؤكد الخبراء أن التحليل لا يشكل تشخيصًا طبيًا، بل مجرد مؤشر على قابلية جينية، إذ لا يعني ارتفاع التوقعات بالضرورة وجود المرض.

وتشير الأستاذة دينيس سيندركومب كورت، التي سبق أن اختبرت العينة في 2018، إلى أن هذه الاستنتاجات قد يكون مبالغًا فيها، معتبرة أن المعلومات المستخلصة بشأن الشخصية أو السلوك ليست دقيقة بما يكفي للاستناد إليها.

ويحذر متخصصون من أن الربط بين الأمراض العصبية وهتلر قد يخلق وصمة غير عادلة ضد المصابين بهذه الاضطرابات.

أدولف هتلر عندما كان طفلًا رضيعًا ومن المرجح أنها التُقطت عام 1889
ردود وانتقادات

وذكرت شبكة "بي بي سي" أن فئة من العلماء، بينهم البروفيسور سيمون بارون كوهين، أوضحت في الفيلم الوثائقي الذي عرضته القناة الرابعة البريطانية حول البحث الذي حمل عنوان " حمض هتلر النووي: مخطط ديكتاتور" أن السلوك الإنساني نتاج مزيج من العوامل البيولوجية والبيئية، ولا يمكن للجينات وحدها تفسير شخصية هتلر أو أفعاله.

كما وصفت الجمعية الوطنية للتوحد في بريطانيا نتائج الفيلم بأنها حيلة رخيصة، منتقدة تجاهل مشاعر المصابين بالتوحد، وأضافت في بيانها أن العلم الرديء ليس أسوأ ما في الأمر، بل الأثر العاطفي على هذه الفئة من الناس.

وردَّت القناة الرابعة على هذه الانتقادات بقولها إن هدف الفيلم هو تبسيط العلوم المعقدة للجمهور، وإن عنوان "مخطط ديكتاتور" يستند إلى الاستخدام الشعبي لمفهوم الحمض النووي بوصفه مخطط الحياة.

قضية أخلاقية

تنقل شبكة "بي بي سي" تساؤلات واسعة حول مدى أخلاقية تحليل حمض هتلر النووي دون إذن منه أو من أحفاد مباشرِين، علمًا أنه لم يكن له أطفال، ويرى البعض أن دوره في ارتكاب فظائع تاريخية كبرى يقلل من حدة الاعتراض الأخلاقي، بينما يرى آخرون أن انتهاك خصوصيته بعد وفاته قد يفتح الباب لسوابق بحثية خطيرة.

ويشير الدكتور أليكس كاي، المؤرخ والمحاضر في جامعة بوتسدام، إلى أن موت هتلر منذ 80 عامًا وانتفاء وجود ورثة مباشرين قد يجعل البحث مبررًا، طالما أجري وفق قواعد علمية صارمة.

وترى مؤرخة مثل إيفا فوكوسيك أن تفسير أسباب جرائمه من خلال الحمض النووي أسلوب غير دقيق، ولا يقدم إجابات حول العنف الجماعي والإبادة الجماعية، وهي المسائل التي ينبغي التركيز عليها.

هتلر في عام 1933
خلاصات علمية

تؤكد شبكة "بي بي سي" أن نتائج البحث تخضع حاليًا لمراجعة الأقران، ومن المتوقع نشر دراستها الكاملة لاحقًا، بحيث تصبح متاحة للباحثين في المستقبل، ويرى بعض العلماء أن هذه النتائج يمكن أن تكون مفيدة بعد سنوات طويلة، وربما تساهم في فهم أعمق للتاريخ.

ورغم الجدل الواسع، يرى مؤرخون شاركوا في الفيلم أن الدراسة قد تساعد في رسم صورة أكثر شمولية عن هتلر، في وقت لا تزال شخصيته موضع بحث وجدل حتى اليوم.

ويشدد الخبراء على ضرورة التعامل بحذر مع المعلومات الجينية، سواء في الإعلام أو في الأبحاث الأكاديمية، لتجنب نشر استنتاجات تبسيطية أو تعزيز وصمة الأمراض العصبية والنفسية.

ويبقى السؤال، كما تقول شبكة "بي بي سي": هل كان ينبغي القيام بهذا البحث أصلًا؟