كشف تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) نفّذت على مدى أكثر من عقد من الزمان برنامجًا سريًا للغاية للتلاعب بمحصول الخشخاش في أفغانستان، حيث قامت بتغطية حقول المزارعين الأفغان ببذور معدلة خصيصًا، التي أنبتت محاصيل لا تحتوي تقريبًا على أي من المواد الكيميائية التي يتم تكريرها لإنتاج مخدر الهيروين.
يُمثل هذا البرنامج السري فصلًا غير معلن عنه في الحرب الأمريكية في أفغانستان (2001-2021)، ويأتي الكشف عنه في وقتٍ تُهيمن فيه الحرب على المخدرات مجددًا على أجندة إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية.
كانت تجارة الأفيون المزدهرة في أفغانستان، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين "تُحبط الأهداف الأمريكية"، كما تقول الصحيفة، حيث انخرطت القوات الأمريكية في صراعٍ عنيف لهزيمة طالبان وتثبيت استقرار الحكومة الضعيفة المدعومة من الغرب.
وابتداءً من عام 2001، أنفقت الولايات المتحدة نحو 9 مليارات دولار في محاولة لوقف تدفق الهيروين من أفغانستان.
وشهد محصول الخشخاش في أفغانستان انخفاضًا ملحوظًا بين عامي 2007 و2011، قبل أن يرتفع مجددًا ويرتفع بشكل كبير بعد عام 2016، وفقًا لتقرير المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)، نقلًا عن بيانات الأمم المتحدة ووكالة المخابرات المركزية.
إضعاف الأفيون
وفق "واشنطن بوست"، دار جدل حاد بين الحلفاء الغربيين والوكالات الأمريكية حول الاستراتيجيات التي ستُضعف محصول الأفيون دون تقويض دعم حليفهم، الرئيس السابق حامد كرزاي.
وحسب التقرير "ناقش الدبلوماسيون ومسؤولو مكافحة المخدرات كل شيء، بدءًا من رش مبيدات الأعشاب جوًا وحتى شراء المحصول الأفغاني بأكمله وإرساله إلى الخارج لمعالجته وتحويله إلى دواء".
لكن دون علم معظمهم، كانت وكالة المخابرات المركزية تُدير برنامجها السري، الذي يُديره مركز مكافحة الجريمة والمخدرات التابع للوكالة، وكان يتمتع بأموال وفيرة خلال الحرب الأفغانية.
وحسب المصادر، بدأت عمليات الإنزال الجوي لبذور الخشخاش المُعدّلة في خريف عام 2004، وانتهت نحو عام 2015.
وحسب مطلعون على البرنامج، استخدم مشغلون سريون في البداية طائرات بريطانية من طراز C-130، ونفّذوا رحلات ليلية لتجنب اكتشافهم، ونثروا مليارات البذور المُطوّرة خصيصًا على مساحات شاسعة من حقول الخشخاش الأفغانية الشاسعة.
وأضافوا أن عمليات الإنزال الجوي جرت فوق محافظتي "ننكرهار" و"هلمند" الأفغانيتين، مركزي زراعة الخشخاش.
وتشير الصحيفة إلى أن البذور لم تُعدّل وراثيًا باستخدام تقنية تعديل الجينات "بل زُرعت وانتُقيت بمرور الوقت لإنتاج نبات يحتوي على كميات أقل من المواد الكيميائية القلوية المستخدمة في إنتاج الهيروين".
وبمجرد إسقاط البذور، كان الهدف هو أن تنبت النباتات منها لتخصب نفسها بالنباتات الأصلية وتصبح السلالة السائدة بمرور الوقت، ما يؤدي إلى تدهور قوة المحصول الإجمالية.
ومع اقتراب البرنامج في أفغانستان من نهايته في عام 2015 تقريبًا، ناقش المسؤولون الأمريكيون استخدام الأسلوب نفسه غير التقليدي ضد حقول الخشخاش في المكسيك. لكن هذه الخطة تم رفضها في نهاية المطاف لأن الخشخاش في المكسيك يزرع في قطع صغيرة في التضاريس الجبلية، ما يجعلها هدفًا أصعب بكثير للزرع الجوي مقارنة بالأراضي المنبسطة في جنوب غرب أفغانستان.
خارج الصندوق
يُقرّ مسؤولون غربيون بأن حملة مكافحة المخدرات في أفغانستان فشلت فشلًا ذريعًا "فقد حُكم عليها بالفشل نتيجةً للخلافات بين الوكالات الأمنية في واشنطن، واحتكاكات الولايات المتحدة مع حلفائها -بما في ذلك بريطانيا- والدعم المتقطع من كرزاي وحكومته، وترسيخ زراعة الخشخاش في ثقافة واقتصاد الريف الأفغاني".
أيضًا، يلفت التقرير إلى أن "وزارة الدفاع الأمريكية قاومت، مرارًا وتكرارًا، التدخل بشكل أعمق في حرب المخدرات الأفغانية، بحجة أن ذلك يصرف الانتباه عن مهمتها المتمثلة في القضاء على الإرهابيين ومحاربة طالبان".
مع ذلك، صرّح عدد من المسؤولين السابقين في وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية الأمريكية بأن برنامج تقليص فعالية محصول الخشخاش الأفغاني كان ناجحًا لفترة من الوقت، إلا أنه كان مكلفًا للغاية، إذ استنزف الميزانية التشغيلية لمركز مكافحة الجريمة والمخدرات التابع لوكالة المخابرات المركزية.
كان آخرون مطلعون على البرنامج أقل إعجابًا بالنتائج، حيث قالوا إنه لم يحقق أي تأثير دائم على إنتاج الأفيون في أفغانستان وساعد صنّاع القرار في إدارة بوش على تجنب اتخاذ قرارات صعبة في الحرب على المخدرات في أفغانستان.
خلص تقرير صادر عام 2018 عن المفتش العام الأمريكي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان، الذي لم يكن مطلعًا على العملية، إلى أنه "لم يُسفر أي برنامج لمكافحة المخدرات نفّذته الولايات المتحدة أو شركاؤها في التحالف أو الحكومة الأفغانية عن انخفاض دائم في زراعة الخشخاش أو إنتاج الأفيون".
مع هذا، بعد استعادة السيطرة على البلاد، حظرت طالبان إنتاج الأفيون. وبحلول عام 2023، انخفضت زراعته بنسبة 95%. لكن المحصول انتعش العام الماضي بنسبة 19%، وفقًا للأمم المتحدة، وانتقل إلى شمال شرق البلاد، بعيدًا عن مناطق زراعة الخشخاش التقليدية التي كانت تستهدفها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سابقًا.