الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

فائز محتمل.. دلالات ترشيح دونالد ترامب لجائزة الفيفا للسلام

  • مشاركة :
post-title
رئيس الفيفا مع الرئيس الأمريكي ونائبه

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

يمثل الترشيح المحتمل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنيل جائزة "الفيفا للسلام" التي استحدثها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، حلقة جديدة من حلقات تداخل مسارات السياسة والرياضة، ويكشف عن مدى تحول الرياضة العالمية إلى أداة رمزية ذات بعد سياسي ودبلوماسي.

الرياضة، التي كانت تُقدَّم تاريخيًا كمظلة حيادية تجمع الشعوب على أسس المنافسة النزيهة، أصبحت اليوم فضاءً واسعًا للصراع على القوة الناعمة، وصياغة الصورة الذهنية، وإعادة التموضع في النظام الدولي في مرحلة تتسم بالاستقطاب الحاد داخل الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية.

في هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات التي يأتي في مقدمتها: ما هي الخلفية العامة لترشيح ترامب المحتمل لجائزة "الفيفا للسلام"؟ وما أبعاد العلاقة بين الرياضة والسياسة في ضوء ذلك الترشيح؟ وما التداعيات المحتملة على العلاقة بين الرياضة والسياسة؟ فهل لا تزال الرياضة قادرة على تمثيل قيم السلم والإنسانية بما يحقق التقارب بين الشعوب عبر مختلف الألعاب والفعاليات الرياضية في عالم تحكمه المصالح؟

وفي ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل ليستعرض النقاط الأساسية التالية:

دبلوماسية الرياضة

يأتي ترشيح ترامب لجائزة الفيفا للسلام في لحظة تزايد فيها الحديث عن توظيف المؤسسات الرياضية الكبرى كأدوات للدبلوماسية العامة. فقد سعت الفيفا في العقدين الأخيرين لتصوير نفسها كمنصة تسامح وتعاون إنساني، وذلك بعد أن وجدت نفسها مرارًا في مواجهة الاتهامات بالتحيز أو التسييس، سواء في ملفات منح تنظيم البطولات أو المواقف من الحروب والنزاعات. فترشيح شخصية مثيرة للجدل مثل ترامب يضع المنظمة أمام اختبار ذو بعدين. أولهما "أخلاقي – رمزي" لأن الجائزة تُمنح عادة لمن يسهم في تعزيز قيم السلام والمصالحة، أما البعد الآخر فهو "سياسي – إعلامي" لأن الترشيح يثير اهتمام الرأي العام ويعزز الارتباط بين العلامة التجارية للفيفا وبين رموز السلطة في العالم.

وبذلك يمكن النظر إلى هذا الترشيح كرسالة مزدوجة، فمن جهة يركز الترشيح بقوة على التأثير الأمريكي في المشهد الرياضي الدولي، ومن جهة أخرى يمثل محاولة لإعادة تسويق ترامب عالميًا في صورة رجل سلام عبر منصة غير سياسية.

أبعاد جديدة

تأسيسًا على ما سبق، يمكن تحديد أبعاد العلاقة بين الرياضة والسياسة في ضوء ذلك الترشيح، على النحو التالي:

(*) الرياضة كأداة للقوة الناعمة: تستغل الدول الرياضة لبناء صورة إيجابية أو لتخفيف حدة الانتقادات السياسية. وتاريخيًا، استُخدمت الألعاب الأولمبية وفعاليات كأس العالم كوسائل تجميل دبلوماسي لدول تواجه عزلة أو انتقادات، مثل ألمانيا النازية 1936، أو الصين 2008.

(*) تحول الفيفا إلى ساحة دبلوماسية: لم تعد الفيفا مجرد كيان رياضي، بل أصبحت فاعلًا شبه سياسي؛ إذ تتفاعل مع قضايا مثل الهجرة والمساواة والحرب، وتؤثر في الرأي العام العالمي أكثر مما تفعله منظمات أممية تقليدية.

(*) تسييس الرياضة وانتهاء زمن الحياد: يرمز ترشيح ترامب لجائزة الفيفا المستحدثة بالتزامن مع كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك إلى نهاية مفهوم الحياد الرياضي؛ فالشخصية التي تبنت خطابًا انقساميًا داخليًا وصداميًا خارجيًا تُرشح لجائزة "السلام"، ما يعكس التحول في معايير التقييم ذاتها، ويكشف عن منطق استعراضي جديد للسياسة الدولية.

مسارات مفسرة

تكشف القراءة الاستراتيجية لترشيح ترامب لجائزة الفيفا للسلام عن ثلاثة مسارات يمكن أن تفسر هذا التوجه، وذلك على النحو التالي:

(&) المسار الترويجي الإعلامي: يهدف هذا الترشيح إلى استثمار اسم ترامب في الترويج للفيفا وإعادة توجيه الأنظار نحوها في موسم تراجع شعبية بعض مسؤوليها واتهامات الفساد القديمة.

(&) المسار السياسي وترميم الصورة الذهنية: يُستخدم الترشيح لتوظيف الرمز الرياضي في حملات إعادة بناء الصورة العامة لترامب، في محاولة لإظهاره كشخصية تسعى للسلام العالمي.

(&) المسار الرمزي – الثقافي: يعكس هذا المسار تراجع الحدود بين ما هو "رياضي" وما هو "سياسي" لصالح منطق العولمة الرمزية، حيث تتحول الجائزة إلى أداة سردية أكثر منها تكريمًا فعليًا.

تداعيات محتملة

يشهد العالم المعاصر تداخلًا متزايدًا بين مجالات كانت تبدو في الماضي متباعدة، وعلى رأسها الرياضة والسياسة، فبعد أن كانت الرياضة تُقدّم باعتبارها مجالًا للتنافس الشريف وتلاقي الشعوب، أصبحت اليوم أداة من أدوات القوة الناعمة ووسيلة للتأثير السياسي والدبلوماسي. وفي ضوء ذلك، يمكن تحديد التداعيات المحتملة لترشيح ترامب لجائزة "الفيفا للسلام" على العلاقة بين الرياضة والسياسة، فيما يلي:

(-) تآكل مصداقية المؤسسات الرياضية: يرتبط ذلك بتسييس القيم الرياضية، فإدخال شخصية سياسية خلافية مثل ترامب في دائرة الجوائز الرياضية يعكس تسييسًا واضحًا للرموز الرياضية.

الرياضة، التي يفترض أن تكون ساحة للتنافس الشريف، تتحول إلى منصة لتجميل صور سياسية أو تمرير رسائل دبلوماسية. هذه الخطوة قد تؤدي إلى إرباك العلاقة بين الجماهير والمؤسسات الرياضية، إذ ستُطرح تساؤلات حول المعايير الأخلاقية التي تعتمدها الفيفا، ومدى خضوعها للضغوط السياسية والاقتصادية من القوى الكبرى.

(-) تحولات العلاقة بين الرياضة والسياسة: من المحتمل أن يشكل هذا الترشيح نقطة تحول في إدراك العالم لدور المؤسسات الرياضية الكبرى. فبعد فضائح الفساد والاتهامات بالتلاعب في قرارات الاستضافة والجوائز، يأتي مثل هذا الترشيح ليؤكد أن الرياضة أصبحت جزءًا من النظام السياسي والاقتصادي العالمي، تُستخدم لخدمة المصالح والصورة الدولية أكثر مما تعبر عن قيم التعايش والسلام. وهو ما قد يدفع المحللين إلى إعادة النظر في شعار "الرياضة بعيدة عن السياسة"، الذي يبدو اليوم أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.

(-) انقسام الرأي العام العالمي: سيحظى مثل هذا الترشيح باهتمام إعلامي ضخم، ليس فقط من منطلق رياضي، بل كحدث سياسي بامتياز. ويرتبط بذلك تعزيز الوعي بأن الرياضة لم تعد خارج السياسة، بل هي امتداد لها بوسائل أخرى. وقد يُقسم الرأي العام العالمي بين مؤيد يرى في الترشيح مبادرة للمصالحة والتقارب، ومعارض يراه سخرية من مفهوم السلام الرياضي. هذا الجدل بدوره يعمق فكرة أن الرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو تنافسي، بل ساحة لصراع الرموز والخطابات السياسية.

(-) تراجع مصداقية الفيفا: يشكل ترشيح شخصية مثل الرئيس الأمريكي لأول نسخة من جائزة مستحدثة تُعنى بالسلام بالتزامن مع استضافة الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك لكأس العالم 2026 مفارقة رمزية لافتة. فترامب، الذي ارتبط اسمه بخطاب قومي حاد وسياسات مثيرة للانقسام، لا يجسد في الوعي العام قيم التسامح والوحدة التي تسعى إليها الرياضة. هذا التناقض قد ينعكس سلبًا على صورة الفيفا كمؤسسة تسعى لترسيخ القيم الإنسانية، ويُضعف من مصداقيتها باعتبارها جهة محايدة في عالم تتشابك فيه السياسة بالرياضة.

وفي النهاية، يمكن القول إن ترشيح دونالد ترامب المحتمل لجائزة "الفيفا للسلام"، يقدم دليلًا جديدًا للتشابك المتزايد بين السياسة والرياضة، حيث لم تعد الأخيرة ساحة للحياد بل منصة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي في قالب إنساني وعاطفي. ويكشف هذا الترشيح عن تحول القيم الرياضية نفسها إلى أدوات ناعمة في صراع الرموز، وعن سعي القوى الكبرى لتوظيفها في بناء سرديات جديدة حول "السلام" و"القيادة" و"الشرعية الأخلاقية".

وقد يفاقم هذا الترشيح الشكوك حول حياد المؤسسات الرياضية العالمية، ويكشف عن هشاشة الحدود الفاصلة بين الرياضة والسياسة. وبذلك، يصبح التحدي الأكبر أمام الفيفا والعالم الرياضي هو استعادة المصداقية، وإعادة ترسيخ الرياضة كأداة للتقارب الإنساني لا كوسيلة لتجميل الوجوه السياسية.