يطرح إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول عدم مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في فعاليات قمة قادة مجموعة العشرين، التي تستضيفها دولة جنوب إفريقيا بجوهانسبرج تحت شعار "التضامن - المساواة - الاستدامة" خلال الفترة من 22-23 نوفمبر 2025، التي تتولى الرئاسة الدورية للمجموعة من ديسمبر 2024 إلى نوفمبر 2025، العديد من التساؤلات حول تأثير ذلك التوجه الأمريكي على مخرجات القمة، التي تأتي في مرحلة مفصلية من تطور النظام الدولي، وما يواجهه من تحديات تنموية واقتصادية تواجه كل الدول أعضاء المجموعة سواء المتقدمة منها أو النامية، وكذلك تأثير ذلك على دور مجموعة قمة العشرين المستقبلي والتفاهمات المحتملة حول القضايا الاقتصادية والتنموية الدولية، التي تُشكل جوهر عمل المجموعة، ومن المقرر أن تنتقل رئاسة المجموعة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، العام المقبل "من ديسمبر 2025 حتى نوفمبر 2026"، وانعكاس ذلك على المواقف السياسية لدول المجموعة وعلاقاتها بالولايات المتحدة في ظل سعي ترامب لتوظيف سياسته الخارجية لخدمة الاقتصاد الأمريكي، الذي يعتقد أنه تم استنزافه في العقود الماضية، وهو ما تجلى في اتجاهه نحو فرض رسوم جمركية على العديد من الاقتصادات سواء المتقدمة أو الناشئة، وهو ما يثير كذلك تساؤلًا حول مستقبل العولمة، التي تقوم بالأساس على الحرية الاقتصادية، وترفض القيود الحمائية.
توقيت الانعقاد
يأتي انعقاد قمة قادة مجموعة العشرين في مرحلة مفصلية من تطور النظام الدولي، وما يواجهه من تحديات تنموية وسياسية، التي يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:
(*) أزمة الهيمنة الأمريكية: ربما يعكس إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عدم مشاركة أي مسؤول أمريكي في قمة قادة مجموعة العشرين بجنوب إفريقيا، أحد تجليات أزمة الهيمنة الأمريكية، التي تعكس انحيازًا لإسرائيل بصرف النظر عن مدى مشروعية سلوكها، وما تقوم به من انتهاكات ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وهو ما يؤثر على المصالح الأمريكية الإستراتيجية في الشرق الأوسط بشكل عام. وربما يجد هذا القرار أحد مبرراته في موقف جنوب إفريقيا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد قيامها برفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية لإدانة إسرائيل، واعتبار ما تقوم به من انتهاكات ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة بمثابة إبادة جماعية، الدعوى التي انضمت إليها العديد من الدول الرافضة للممارسات الإسرائيلية في غزة.
وبرغم ذلك فإن تبريرات واشنطن لعدم المشاركة في قمة مجموعة العشرين جاءت بعد اتهامات متكررة لجنوب إفريقيا بالتقاعس عن حماية المزارعين البيض من المواطنين السود. وهو ما جعل رئيس جنوب إفريقيا يوجه سؤالًا ساخرًا لترامب، قائلًا: "هل أخبروك أن يحدث ذلك يا سيدي الرئيس؟، أود حقًا أن أعرف أين، لأنني لم أشاهد هذا على الإطلاق".
(*) الإخفاق في تسوية الأزمات الدولية: يأتي انعقاد قمة مجموعة العشرين في ظل الإخفاق الدولي لتسوية الأزمات الدولية برغم ترديد الرئيس الأمريكي بأنه تمكن من إنهاء 7 حروب منذ وصوله إلى سُدة الحكم، بعد أن رفع خلال حملته الانتخابية أنه سيوقف كل الحروب بمجرد انتخابه ومنها الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تعهد بإنهائها خلال 24 ساعة واتجه بعد انتخابه نحو وقف المساعدات العسكرية لكييف، التي اعتبرها استنزافًا للاقتصاد الأمريكي أثقلته به إدارة الرئيس السابق جو بايدن، كما كثف اتصالاته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لوقف الحرب من خلال انطلاق المفاوضات الأمريكية الروسية، التي بحثت العديد من أوجه التعاون بين الجانبين.
سرعان ما تحول الموقف الأمريكي نحو الإقرار بدعم أوكرانيا، وربما جاء ذلك بضغوط داخلية من الكونجرس وضغوط خارجية من الحلفاء الأوربيين، فضلًا عن التهديد بفرض مزيد من العقوبات على الاقتصاد الروسي. هذا التحول في الموقف الأمريكي يعكس الافتقار إلى فهم تعقيدات الصراع الروسي الأوكراني.
(*) تنامي أزمة الديون العالمية: تُشكل أزمة الديون العالمية أحد مظاهر الخلل في الاقتصاد العالمي، ووفقًا للإحصاءات فإن أكثر من 3.3 مليار إنسان يعيشون في بلدان يتجاوز ما تنفقه على فوائد القروض ما تنفقه على التعليم أو الرعاية الصحية، وفي حالات كثيرة ما تنفقه عليهما مجتمعين.
وفي السنوات السبع الأخيرة ارتفعت تكلفة خدمة ديون الدول النامية ذات الأسواق الناشئة بمتوسط سنوي زاد على 12% سنويًا، بما يتجاوز ضعف متوسط صادراتها والتحويلات القادمة إليها، لذلك هناك حاجة ماسة لإعادة هيكلة الديون الخارجية بشكل أكثر عدالة بما يتيح للدول النامية الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية بدلًا من الإنفاق على خدمة الديون.
(*) معضلات التنمية في إفريقيا: يُشكل انعقاد القمة فى إحدى دول القارة -جنوب إفريقيا- فرصة مواتية لطرح المعضلات التي تواجه دول القارة منها ما يرتبط بالتكالب الدولي على مواردها وتنافس القوى الدولية لتعزيز نفوذها، وتغذية الانقسامات العرقية والإثنية بين التكوينات الاجتماعية فى دولها، فضلًا عن معاناة العديد من دول القارة جنوب الصحراء من تداعيات الكوارث الطبيعية وفي مقدمتها التغيرات المناخية، التي أسهمت في زيادة معدلات التصحر، وتنامي موجات الهجرة الداخلية والخارجية، بما أدى إلى نزيف أدمغة وهجرة للكفاءات وحرمان دول القارة من المردود الاقتصادي لوجود هؤلاء المتميزين وما يمثلونه من خبرات يمكن الاستفادة منهم في تحسين أوضاع مجتمعاتهم.
مقومات داعمة
في ظل تنوع التحديات التي تواجه النظام الدولي سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية السياسية، فإن مجموعة العشرين تمتلك من القدرات الاقتصادية، ما يمكنها -حال التنسيق بين أعضائها- من مواجهة تلك التحديات، وطرح خريطة طريق من الممكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية، وهو ما يمكن الإشارة إلى أبرز تلك المقومات في التالي:
(*) خبرة النشأة: جاء تشكيل مجموعة العشرين، 25 سبتمبر 1999، كرد فعل على الأزمات الاقتصادية والمالية، التي اجتاحت اقتصادات جنوب شرق آسيا، التي كان لها نعكاساتها المباشرة على الاقتصاد الدولي بشكل عام، إذ كانت قمم المجموعة تعقد على مستوى وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لعقد منافشات رفيعة المستوى عن القضايا الاقتصادية والمالية. وفي أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، والركود الاقتصادي الذي شهدتها الاقتصادات العالمية في مقدمتها الاقتصاد الأمريكي، وما تبعه من تدخل الدولة لحماية بعض المؤسسات الاقتصادية من الانهيار خاصة بعض المصارف المالية، تم ترفيع مستوى تمثيل مجموعة العشرين لتضم قادة الدول الأعضاء، كما تم إدراج العديد من القضايا على أجندة عمل المجموعة لتتجاوز القضايا الاقتصادية والمالية لتشمل أيضًا القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. وجاء الشعار الذي اتخذته جنوب إفريقيا لرئاستها الدورية لقمة مجموعة العشرين 2025 تحت عنوان "التضامن - المساواة - الاستدامة" ليعكس التحول في أولويات التوجهات التنموية لاقتصادات مجموعة العشرين خاصة الكبرى منها، ومنح القضايا الإنسانية أهمية محورية. وهي القضايا التي تصب في مصلحة دول الجنوب العالمي، التى تطالب بتمويلات عادلة، لمواجهة آثار التغيرات المناخية وما ارتبط بها من مشكلات مثل التدهور البيئي والتصحر وانعدام الأمن الغذائي، وتزايد اللجوء البيئي، كما تطالب دول الجنوب العالمي أيضًا بتحقيق انتقال عادل للطاقة.
(*) القدرات الاقتصادية: تمتلك مجموعة العشرين قدرات اقتصادية فائقة ومتنوعة، وتعد مجموعة العشرين منتدى للتعاون الاقتصادي العالمي وتضم الدول المتقدمة والنامية، وتستحوذ هذه المجموعة على 80% من الناتج الاقتصادى العالمي، وتضم نحو ثلثي سكان العالم، ولديها 76% من حجم التجارة العالمية. وتضم مجموعة العشرين في عضويتها 19 دولة والاتحادين الأوروبي والإفريقي، وتشمل الدول الأعضاء: الولايات المتحدة الأمريكية والتى تتصدر ترتيب اقتصادات المجموعة بإنتاج محلى يُقدر بـ 29.2 تريليون دولار، والصين المرتبة الثانية بـ ( 18.74 تريليون دولار) ، وبعدها ألمانيا ( 4.66 تريليون دولار)، واليابان ( 4.026 تريليون دولار)، والهند (3.913 تريليون دولار)، والمملكة المتحدة ( 3.644 تريليون دولار)، وفرنسا ( 3.162 تريليون دولار)، وإيطاليا (2.373 تريليون دولار)، وكندا ( 2.241 تريليون دولار) ، والبرازيل( 2.179 تريليون دولار)، وروسيا (2.174 تريليون دولار)، والمكسيك( 1.853 تريليون دولار)، وكوريا الجنوبية( 1.8 تريليون دولار)، وأستراليا (1.752 تريليون دولار)، وأندونيسيا ( 1.396 تريليون دولار) ، وتركيا ( 1.323 تريليون دولار )، والسعودية (1.24 تريليون دولار)، والأرجنتين( 633.3 مليار دولار )، وجنوب إفريقيا ( 400.3 مليار دولار).
(*) التنوع التنموي والجغرافي: يُمثل التنوع التنموي والجغرافي أحد مصادر قوة مجموعة العشرين فهي تضم دول متقدمة لديها تجاربها التنموية، ودول ناشئة، وأخرى نامية، وهو الأمر الذي يُسهم في إثراء النقاش بشأن القضايا المشتركة، ويجعل من بيان القادة في ختام فعاليات القمة سببًا للتطرق إلى التحديات التي تواجه كل الاقتصادات مثل قضايا التغيرات المناخية، والطاقة، والأمن الغذائي، والهجرة واللجوء، والاقتصادين الأخضر والأزرق أو التحديات التي تواجه مناطق جغرافية بعينها.
ويتوزع أعضاء المجموعة جغرافيًا: القارة الآسيوية "الصين، والهند، وإندونيسيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والسعودية"، وأمريكا الجنوبية "البرازيل والأرجنتين"، وأوروبا "بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا"، وأمريكا الشمالية "الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك"، وإفريقيا "دولة جنوب إفريقيا". هذا الثراء والتنوع التنموي والجغرافي يساعد المجموعة في تحقيق أهدافها نحو تعزيز الاقتصاد العالمي وتطويره، والسعي لإصلاح المؤسسات المالية والدولية، وتحسين النظام المالي، ودعم النمو الاقتصادي العالمي وتطوير آليات فرص العمل وتفعيل مبادرات التجارة الحرة.
(*) محورية قضايا قمة العشرين: تولت دولة جنوب إفريقيا رئاسة مجموعة العشرين في الأول من ديسمبر 2024 وتستمر حتى نهاية نوفمبر 2025 لتنتقل رئاسة المجموعة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وأدرجت جنوب إفريقيا العديد من القضايا لتكون على أجندة أعمال القمة وترتبط بأهداف التنمية المستدامة 2030، منها تعزيز القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية، ومعالجة أزمة الديون في الدول منخفضة الدخل، وتسريع التمويل من أجل انتقال عادل للطاقة، وتعزيز الاستفادة من المعادن الحيوية بشكل قائم على الشراكات المتكافئة بين الدول المتقدمة والنامية لا على الاستغلال.
مجمل القول يأتي انعقاد قمة قادة مجموعة العشرين 2025 بجنوب إفريقيا في ظل سياق دولي شديد التعقيد ـ ما بين قوى اقتصادية كبرى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، التي تسعى للحفاظ على الوضع الاقتصادي الراهن من خلال استمرار النظام الدولي الحالي بقواعده ومؤسساته وقيمه، وقوى اقتصاية أخرى في مقدمتها الصين وروسيا الهند تسعى لإرساء نظام دولي متعدد الأقطاب الاقتصادية يضع في الاعتبار ما حققته هذه الدول من طفرات اقتصادية. وما بين المسارين هناك الدول النامية التي تتطالب بإعاد التفكير في أسس التنمية والتعاون الدولي، بما يربط التقدم بالعدالة والنمو بالاستدامة بما يعني وحدة المصير الإنساني الذي يواجه تحديات معقدة تحتاج لتكاتف الجميع وتغليب التعاون على الصراع.