بينما فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية قاسية على الصين، ظنًا منه أن ذلك سيضعف قوتها التصنيعية، فاجأت بكين العالم بقدرتها على التكيف السريع، إذ نجحت في تعويض خسائرها من السوق الأمريكية بسرعة مذهلة عبر التوسع في أسواق جديدة، لتسجل صادراتها أرقامًا قياسية جديدة هذا العام، وفقًا لما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز".
الاستعداد المسبق حسم المعركة
لم تكن قدرة الصين على مواجهة الرسوم الجمركية وليدة اللحظة، بل نتاج استعداد طويل الأمد، إذ توضح ماري لافلي، الباحثة البارزة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أن بكين كانت تبحث عن أسواق بديلة منذ سنوات، مستفيدة من استثماراتها الضخمة في قطاع التصنيع التي تمكنها من تقديم أسعار لا تقبل المنافسة.
وبفضل هذه الاستراتيجية، تمكنت الصين من تعويض تراجع صادراتها لأمريكا عبر زيادة شحناتها إلى بقية دول العالم بوتيرة غير مسبوقة، لتصل صادراتها العالمية إلى مستويات قياسية تفوق التوقعات رغم كل التحديات.
انهيار الواردات الأمريكية من الصين
شهدت العلاقة التجارية بين واشنطن وبكين تحولًا جذريًا، فقد تراجعت مشتريات أمريكا من المنتجات الصينية بشكل حاد وعلى نطاق واسع، إذ انخفضت واردات الهواتف بنسبة 47% وأجهزة الحاسوب بنسبة 54%.
ورغم استثناء ترامب للإلكترونيات الاستهلاكية من معظم رسومه الجمركية، فإن شركات مثل "أبل" و"هيوليت باكارد" واصلت تنويع سلاسل إمدادها خارج الصين.
وتشير أحدث البيانات من مكتب الإحصاء الأمريكي حتى يونيو الماضي إلى أن أمريكا باتت تستورد معظم هواتفها الذكية من الهند، وأجهزة الحاسوب المحمولة من فيتنام.
ولم تقتصر التراجعات على الإلكترونيات، بل شملت المنتجات البلاستيكية من سلال الغسيل إلى الشوك البلاستيكية التي انخفضت بنسبة 16% لتصل إلى 5 مليارات دولار فقط بين يوليو وأكتوبر.
كما تراجعت حصة الأثاث الصيني في السوق الأمريكية، فبعد أن كانت أمريكا تستوعب أكثر من ربع صادرات الصين من الأثاث والمراتب والمصابيح العام الماضي، انخفضت النسبة إلى الخُمس فقط.
أما الألعاب وألعاب الفيديو والأزياء التنكرية فسجلت انخفاضًا قدره 3.5 مليار دولار خلال الصيف مقارنة بالعام الماضي.
الوجهة الجديدة
في الوقت الذي تخسر فيه الصين حصصها في السوق الأمريكية، تغزو منتجاتها القارة الإفريقية وأمريكا الجنوبية بقوة، إذ ارتفعت صادرات الصين إلى إفريقيا بنسبة 42%، وإلى أمريكا الجنوبية بنسبة 13%، مع زيادات مذهلة في قطاعات محددة تعكس طموح بكين لقيادة التحول التكنولوجي العالمي.
في نيجيريا وحدها، قفزت مبيعات السيارات الكهربائية الصينية من 100 سيارة فقط قبل عامين إلى آلاف السيارات هذا العام، بزيادة 45% في إجمالي الواردات النيجيرية من الصين.
أما الجزائر فاستوردت ألواحًا شمسية صينية بكميات تعادل أربعة أضعاف ما استوردته طوال العام الماضي.
وتشير إلاريا مازوكو، نائبة المدير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، للصحيفة، إلى أن الشركات الصينية تقبل بهوامش ربح أقل في هذه الأسواق، لكنها تكسب في المقابل نفوذًا متناميًا، خاصة مع تراجع المساعدات الأمريكية للقارة الإفريقية في عهد ترامب.
وتضيف: "قد لا تكون هوامش الربح مرتفعة، لكن بالنسبة لتلك الأسواق، فإن الوصول إلى هذه التكنولوجيا بأسعار معقولة يمثل تحولًا جذريًا بكل المقاييس".
الهيمنة الصناعية والتكنولوجية
أصبحت الصين، بفضل عقود من السياسات الصناعية التي تتبناها بكين، المنتج الرائد عالمياً للسيارات والبطاريات والألواح الشمسية.
ومع ضعف الطلب الاستهلاكي في اقتصادها المحلي، تضاعف الضغط على الشركات الصينية للبحث عن فرص جديدة في الخارج.
وغمرت بكين الأسواق الأوروبية والآسيوية بالبطاريات والحديد، حيث ارتفعت صادراتها إلى أوروبا بنسبة 7%، وإلى آسيا بنسبة 14%.
كما أنتجت الصين كميات قياسية من الصلب خلال السنوات الماضية تُباع الآن في جميع أنحاء العالم بأسعار تقل أحيانًا عن سعر المياه المعبأة، بحسب ما تشير الصحيفة الأمريكية.
ووفق "نيويورك تايمز" تعكس الأرقام حجم هذا التوسع، إذ ارتفعت صادرات السيارات الكهربائية إلى إفريقيا بنسبة 97%، وإلى آسيا بنسبة 81%، بينما زادت صادرات البطاريات إلى إفريقيا بنسبة 102%، وإلى أوروبا بنسبة 48%.
أما الألواح الشمسية فشهدت قفزة بنسبة 54% إلى إفريقيا، و39% إلى أمريكا، في حين ارتفعت صادرات الحديد والصلب إلى إفريقيا بنسبة 39%.
استجابة العالم
يجد العالم نفسه محصورًا بين قوتين عظميين، فبينما تشعر دول مثل فيتنام، التي زادت وارداتها من الصين بنسبة 28%، والاتحاد الأوروبي بنسبة 11%، بالقلق من تأثير الصادرات الصينية على صناعاتها وتفرض رسومًا جمركية، تستفيد دول مثل الأرجنتين، التي زادت وارداتها بنسبة 57%، من التكنولوجيا الصينية منخفضة التكلفة لتحديث اقتصاداتها، رغم اتساع عجزها التجاري مع بكين.
وفي المقابل، يشهد المستهلكون الأمريكيون تحولًا في مصادر مشترياتهم، إذ ارتفعت صادرات تايلاند إلى أمريكا بنسبة 33% في سبتمبر، وتايوان بنسبة 51%، وسنغافورة بنسبة 13%.
ويرى جيرارد ديبيبو، المدير المشارك في مركز "راند" للأبحاث الصينية، أن تخفيض ترامب الأخير للرسوم من 55% إلى 45% قد يستقر الصادرات الصينية لأمريكا، لكنه يؤكد أن التحول في وجهة الصادرات الصينية سيستمر.