الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

نقاط الاختلاف.. تحديات اندماج قسد في الجيش السوري

  • مشاركة :
post-title
عناصر من قسد - أرشيفية

القاهرة الإخبارية - محمد حافظ

بعد سنواتٍ من التوتر بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، شهدت الساحة السورية سلسلة من المواجهات المتقطعة، كان آخرها عقب تعثّر تنفيذ اتفاق العاشر من مارس 2025، الذي وُقّع بين الطرفين لدمج قوات "قسد" ضمن الجيش السوري، وذلك في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد وتولّي حكومة انتقالية جديدة مقاليد السلطة في دمشق برئاسة أحمد الشرع في ديسمبر 2024.

وفي هذا السياق، صرّح قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي لوكالة أسوشيتد برس في 18 أكتوبر 2025، بأن مفاوضات مكثفة بين "قسد" ودمشق أفضت إلى اتفاق مبدئي لوقف شامل لإطلاق النار، تمهيدًا لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية الواقعة في شمال شرق البلاد ضمن هياكل الدولة الجديدة، وضمان تمثيل متوازن للأكراد والعرب وسائر المكونات في الإدارة والبرلمان، وعودة المهجّرين، ودمج مقاتلي "قسد" في الجيش السوري ككتلة واحدة.

وأشار عبدي إلى أن خبرات "قسد" في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية ستُعزّز قدرات الجيش السوري في المرحلة المقبلة، وهو طرح كانت الحكومات السابقة في دمشق ترفضه بشدّة.

تثير هذه التطورات مجموعة من التساؤلات الجوهرية: ما أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بين دمشق و"قسد"؟ وما موقف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد، خاصة تركيا والولايات المتحدة؟ وكيف يمكن أن يؤثر هذا المسار على مستقبل الدولة السورية ووحدتها؟

تحولات دراماتيكية في الداخل السوري

– واقع سياسي جديد:
أحدثت التحولات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة تغييرًا جذريًا في بنيتها السياسية والجغرافية. فبعد أكثر من عقد من الحرب، باتت خريطة السيطرة الميدانية أكثر تعقيدًا، وبرزت "قسد" كأحد أهم الفاعلين في الشمال الشرقي، حيث تسيطر على نحو 30% من مساحة سوريا، بعد انسحاب الجيش السوري من تلك المناطق عام 2012، واعتمادها نظام الإدارة الذاتية منذ ذلك الحين.

وبتعدادٍ يقارب 100 ألف مقاتل، تمتلك "قسد" جهازًا إداريًا وأمنيًا متماسكًا، ما جعلها طرفًا رئيسيًا في أي معادلة سياسية سورية مستقبلية، وفرض على دمشق التعامل معها بوصفها مكوّنًا مؤثرًا لا يمكن تجاوزه.

– تحولات في السلطة المركزية:
تولّي حكومة جديدة الحكم في دمشق بعد الإطاحة بالنظام السابق مثّل لحظة فارقة، إذ طُرحت تساؤلات حول كيفية إعادة بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها. ومن هنا جاءت الحاجة إلى اتفاق وطني يدمج المكونات كافة، وعلى رأسها "قسد"، ضمن جيش وطني موحّد، بما يضمن وحدة البلاد ويحفظ مصالح جميع الأطياف.

الأبعاد الإقليمية والدولية

– الموقف الأمريكي:
الولايات المتحدة، التي شكّلت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لـ"قسد" منذ معركة تحرير الرقة عام 2017، تتابع هذه المفاوضات بحذر، إذ تسعى إلى الحفاظ على نفوذها العسكري والاقتصادي في شمال شرق سوريا، حيث توجد أهم حقول النفط والغاز، مع ضمان أمن إسرائيل ومنع عودة تنظيم "داعش".

ورغم تأييدها للحوار بين "قسد" ودمشق، ترفض واشنطن أي صيغة تضع الأكراد تحت سيطرة كاملة للحكومة المركزية، خشية فقدان ورقة ضغطها الاستراتيجية في سوريا والمنطقة.

– الدور التركي:
كانت تركيا منذ البداية الخصم الأشدّ لقيام كيان كردي مستقل على حدودها الجنوبية. ومع تغيّر السلطة في دمشق، وجدت أنقرة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، فبدأت اتصالات مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، مقدّمة دعمًا سياسيًا وأمنيًا مشروطًا بعدم الاعتراف بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي.

وترى أنقرة أن دمج "قسد" ضمن الجيش السوري هو الطريق الأمثل لإنهاء خطر الميليشيات الكردية على أمنها القومي، شرط أن يتم الدمج على أساس فردي لا جماعي، بما يضمن تفكيك البنية العسكرية والإدارية المستقلة للأكراد.

– الموقف الأوروبي والروسي:
تحاول دول الاتحاد الأوروبي إيجاد موطئ قدم في الملف السوري من بوابة إعادة الإعمار وضبط موجات اللاجئين، فيما تراقب موسكو المشهد بصمت حذر، بعد أن فقدت كثيرًا من نفوذها في سوريا عقب سقوط النظام السابق، لكنها ما زالت تدعم أي تسوية تضمن وحدة الأراضي السورية وتمنع التغلغل الغربي.

بين وساطة أمريكية وضغوط تركية

في خضمّ التوترات التي أعقبت تعثّر اتفاق مارس 2025، اندلعت مواجهات محدودة في ريف حلب الشرقي مطلع أكتوبر 2025، استخدمت فيها الطائرات المسيّرة والمدرعات، ما دفع واشنطن لإرسال مبعوثها الخاص توم براك إلى دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي في السابع من أكتوبر، لإعادة إطلاق المفاوضات.

تزامن ذلك مع تحركات تركية لافتة، إذ زار وفد سوري رفيع أنقرة منتصف أكتوبر، ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات، بهدف مناقشة التعاون في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وخلال اللقاء، شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن "العناصر التي تهدد أمن سوريا هي نفسها التي تهدد أمن تركيا"، في إشارة إلى "قسد"، داعيًا إياها إلى التخلي عن "الأجندة الانفصالية" والانخراط في الدولة السورية الموحدة.

بين مطرقة الشرع وسندان تركيا

يجد الرئيس أحمد الشرعنفسه بين مطالب الأكراد من جهة وشروط تركيا من جهة أخرى.
فـ"قسد" تطالب بالاحتفاظ بهياكلها التنظيمية ضمن إطار الجيش السوري كـ"فيلق خاص" يتمتع بدرجة من الاستقلال الذاتي، مع استمرار نظام الإدارة المحلية اللامركزية في مناطقها، بينما تصرّ دمشق، بدعم تركي، على دمجهم كأفراد خاضعين تمامًا لقيادة الجيش الوطني.

هذا التباين يعكس صراعًا أعمق حول هوية الدولة السورية الجديدة: هل ستكون دولة مركزية صلبة كما كانت لعقود، أم دولة لا مركزية تمنح صلاحيات واسعة للمحافظات والمكونات العرقية؟
إجابات هذه الأسئلة ستحدّد ليس فقط مصير "قسد"، بل شكل سوريا ما بعد الحرب برمّتها.

نقاط الاتفاق والاختلاف بين الأطراف

نقاط الاتفاق:

1. الاعتراف بوحدة الأراضي السورية ورفع علم الدولة على جميع المناطق.

2. دمج الجناح العسكري لـ"قسد" في الجيش السوري وفق آليات تفاوضية.

3. إعادة المهجّرين وضمان تمثيل عادل للأكراد والعرب في مؤسسات الدولة.

4. التعاون في مكافحة الإرهاب، خصوصًا ضد تنظيم "داعش".

نقاط الخلاف:

1. آلية الدمج: تريد "قسد" الانضمام ككتلة واحدة للحفاظ على تماسكها الداخلي، بينما تصرّ دمشق وأنقرة على إدماج المقاتلين كأفراد.

2. نظام الحكم المحلي: تطالب "قسد" بتطبيق نموذج لا مركزي واسع الصلاحيات، بينما تفضّل دمشق مركزية القرار السياسي والعسكري.

3. ضمانات المشاركة السياسية: يسعى الأكراد إلى نصوص دستورية تضمن حقوقهم الثقافية والسياسية، وهو ما تخشى دمشق أن يؤدي إلى نزعة انفصالية مستقبلًا.

استيعاب دمشق لمخاوف الأكراد

يعتمد نجاح سيناريو الاندماج على قدرة الحكومة السورية الانتقالية على طمأنة الأكراد. فالمجتمع الكردي، الذي عانى التهميش لعقود طويلة وحرمان مئات الآلاف من الجنسية، يطالب اليوم بضمانات دستورية واضحة تحمي هويته وحقوقه الثقافية والسياسية.

ولا تكفي الوعود السياسية أو التصريحات الإعلامية لتحقيق ذلك؛ بل يجب أن تتجسّد في مواد دستورية وقوانين تنفيذية تضمن المساواة بين جميع السوريين، وتجرّم التمييز العرقي أو الطائفي، وتكفل المشاركة الفعلية في الحكم المحلي والبرلمان.

ومن هنا، يطرح مراقبون أن يتبنى النظام الانتقالي إعلان مبادئ وطنيًا جامعًا يتضمّن التزامًا صريحًا بحقوق المكوّنات، واعترافًا رسميًا بالإدارة المحلية كجزء من البنية الوطنية لا ككيان مستقل. فبهذه الصيغة فقط يمكن إنهاء حالة الشك وبناء شراكة حقيقية بين دمشق والأكراد.

في النهاية، يمكن القول إن المفاوضات بين دمشق و"قسد" تمثّل اختبارًا حاسمًا لمستقبل الدولة السورية الجديدة. فالتحالف بين الطرفين لا يقتصر على دمج عسكري، بل يشكل بوابة لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس من العدالة والمواطنة والمساواة.

ورغم تشابك المصالح الإقليمية والدولية، فإن المسار الحالي — إذا أُحسن توجيهه — قد يفضي إلى تسوية متوازنة تُنهي عقدًا من الصراع، وتفتح الباب أمام سوريا موحّدة قادرة على استعادة استقرارها ودورها الإقليمي.

وعليه، يبقى مفتاح النجاح في يد السوريين أنفسهم؛ فكل تسوية تُفرض من الخارج لن تصمد طويلًا ما لم تستند إلى توافق وطني شامل يُدرك أن الحفاظ على الوطن أسمى من كل الانتماءات الضيقة.