يأتي تقديم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو استقالته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون في 6 أكتوبر 2025 ليعمّق الأزمة السياسية التي تواجهها فرنسا في الآونة الأخيرة، إذ يُعدّ رئيس الوزراء السابع منذ انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسًا لفرنسا في مايو 2017، والخامس خلال ولايته الثانية التي بدأت في مايو 2022.
وبرر لوكورنو تقديم استقالته بأنه لا يمكن أن يكون رئيسًا لوزراء فرنسا عندما لا يستوفي الشروط، مضيفًا أنه حاول أن يبني طريقًا مع الشركاء والنقابات للخروج من أزمة الانسداد الحاصل، إلا أن الأحزاب لم تقدم تنازلات عن برامجها وسعت لفرض شروطها.
ويعكس مأزق تشكيل الحكومة الفرنسية مفردات المشهد السياسي في فرنسا في ظل حالة من الانقسام المجتمعي والحزبي منذ دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى حل الجمعية الوطنية (البرلمان) في يونيو 2024، والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة عمّقت من حالة عدم الاستقرار السياسي بعد إخفاق أيٍّ من الكتل الثلاث الرئيسية في حيازة الأغلبية التي تمكنها من تشكيل الحكومة منفردة، وهي 289 مقعدًا من إجمالي عدد أعضاء الجمعية الوطنية التي تُقدّر بـ577 مقعدًا.
فقد تراجعت كتلة الرئيس ماكرون، والمعروفة بالكتلة المركزية أو "كتلة معًا"، لتحل في المرتبة الثانية بدلًا من الأولى في البرلمان المنحل، فيما جاءت "الجبهة الشعبية الجديدة" في المركز الأول، وقوامها الاشتراكيون والشيوعيون وحزب الخضر وحزب "فرنسا الأبية"، ثم حلت جبهة اليمين المتطرف في المرتبة الثالثة.
عوامل مؤثرة
تتنوع العوامل التي أسهمت في تعميق الأزمة السياسية في فرنسا وتعاقب الحكومات، ويمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
(*) حل الجمعية الوطنية:
جاء قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحل الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) والدعوة إلى انتخابات مبكرة في يونيو 2024 بعد أن حصل تيار اليمين المتطرف على أغلبية مقاعد البرلمان الأوروبي، سعيًا منه لإلحاق الهزيمة باليمين المتطرف على المستوى الوطني. غير أن نتائج الانتخابات البرلمانية جاءت بعكس المأمول وأسهمت في تشكيل برلمان منقسم بين التيارات السياسية الفرنسية، حيث جاءت "الجبهة الشعبية الجديدة" بمكوناتها الرئيسية في المركز الأول بحصولها على 182 مقعدًا، بزيادة تُقدّر بـ47 مقعدًا عمّا حققه اليسار في البرلمان المنحل، ما جعل الجبهة هي الفائز الأكبر في تلك الانتخابات، مقارنة بخسارة التحالف الداعم للرئيس الذي جاء في المرتبة الثانية بفارق يقارب 95 مقعدًا عمّا حصل عليه في البرلمان السابق، إذ حصل في انتخابات 2024 على 168 مقعدًا فقط. فيما حصل حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد، الذي تتزعمه مارين لوبان ويرأسه جوردان بارديلا، على 143 مقعدًا.
هذا الواقع المنقسم دفع الرئيس ماكرون لإبداء ندمه على قراره بحل الجمعية الوطنية، وهو ما صرّح به في يناير 2025، بأن قراره بالدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة زاد من عدم الاستقرار السياسي في البلاد، وأن حل الجمعية الوطنية تسبب في مزيد من الانقسامات أكثر من إيجاد الحلول للشعب الفرنسي.
(*) الاختلافات الأيديولوجية داخل البرلمان:
تشكل الاختلافات الأيديولوجية والمنطلقات الفكرية التي تتبناها القوى السياسية المتحالفة للوصول إلى البرلمان أحد التحديات التي تواجه تشكيل الحكومات الفرنسية المتعاقبة. ففي حين تشكل تحالف "الجبهة الشعبية" من أحزاب تختلف فيما بينها من الناحية الفكرية والأيديولوجية — وهي: الخضر، والاشتراكي الفرنسي، والشيوعي الفرنسي، و"فرنسا الأبية" — تتبنى تلك الأحزاب مقاربات مختلفة لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل الفرنسي، كما أنها تتبنى مقاربات مختلفة لدور فرنسا الخارجي.
صحيح أنها اتفقت على هدف رئيسي خلال الانتخابات البرلمانية المبكرة، وهو منع وصول اليمين المتطرف إلى الأغلبية البرلمانية أو الاقتراب منها، إلا أن التمايز الأيديولوجي والفكري ظلّ عائقًا أمام تمرير مشروعات القوانين داخل البرلمان، بما جعله غير قادر على القيام بوظائفه الأساسية في التشريع والرقابة، وتحوله إلى مؤسسة معطّلة وغير فاعلة.
وتجلّى ذلك في سحب الثقة من حكومة فرانسوا بايرو، الذي اقترح في 25 سبتمبر عقد جلسة للجمعية الوطنية للتصويت على منح الثقة لحكومته بعد طرح برنامج تقشفي يقضي بتخفيض 44 مليار يورو من ميزانية عام 2026 — المقرر إقرارها قبل 31 ديسمبر 2025 — لمواجهة عجز الموازنة والدين العام الذي وصل إلى 113% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد صوت 364 نائبًا على حجب الثقة من الحكومة، ما جعل الرئيس ماكرون يكلّف وزير القوات المسلحة في الحكومة الفرنسية المستقيلة، سيباستيان لوكورنو، في التاسع من سبتمبر 2025 بتشكيل الحكومة، الذي أخفق بدوره وقدم استقالته في 6 أكتوبر 2025.
(*) الأزمة الاقتصادية:
تشكل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها فرنسا أحد العوائق أمام استقرار تشكيل الحكومات في الآونة الأخيرة، حيث تعاقب خمسة وزراء في أقل من عامين، وهو ما يعني تزايد التحديات الاقتصادية في ظل ارتفاع الديون التي بلغت ما يقرب من 3400 مليار دولار، بما يمثل 113% من الناتج المحلي الإجمالي، كما بلغ عجز الموازنة نحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وهي مستويات تتنافى مع قواعد الاتحاد الأوروبي التي تشترط ألا يتجاوز العجز 3% وألا يتجاوز الدين العام 60% من الناتج الاقتصادي.
وفي حين تتبنى الحكومة اتجاهًا نحو التقشف لتقليص تلك الديون، تطالب القوى السياسية داخل البرلمان — سواء اليسار أو اليمين المتطرف — بزيادة الإنفاق وتوفير الوظائف لمواجهة التحديات الاجتماعية.
(*) تنامي الحركات الاحتجاجية:
تزايدت الحركات الاحتجاجية في فرنسا خلال الآونة الأخيرة، وسعى أعضاء البرلمان إلى تبني مطالب تلك الحركات التي ترفض السياسات التقشفية التي تتبناها الحكومات المتعاقبة، حيث اتجهت تلك الحركات إلى تنفيذ سلسلة من الاحتجاجات في قطاعات مؤثرة في حركة الاقتصاد مثل النقل — بما يشمله من المترو والقطارات المحلية والسريعة — والتعليم، والصحة، والمطارات، والنقابات، وغيرها من القطاعات.
مجمل القول:
يشكل مأزق تشكيل الحكومة في فرنسا أحد ملامح الأزمة السياسية في البلاد، وهو المأزق الذي بدأ منذ قرار ماكرون حل الجمعية الوطنية ودعوته إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، جاءت ببرلمان منقسم بين ثلاثة تيارات رئيسية هي: حزب الجبهة الشعبية الجديدة، وكتلة "معًا" الداعمة للرئيس ماكرون، والتجمع الوطني اليميني.
وهي تيارات تعاني من انقسامات فكرية وأيديولوجية تحول دون التوافق على برنامج حكومي، ما عمّق من معضلة تكرار التشكيل الوزاري.
لذلك يظل الخيار الأنسب هو تشكيل حكومة كفاءات وطنية تتجاوز الولاءات الأيديولوجية، غير أن هذا المسار يواجه رغبة الجبهة الشعبية الجديدة في تشكيل الحكومة لحصولها على أكبر عدد من مقاعد البرلمان.
لكن يبقى اتجاه ماكرون لحل الجمعية الوطنية مرة أخرى مخاطرة نظرًا لارتفاع تكلفتها على الاستقرار السياسي في فرنسا واحتمالية تصاعد تيارات اليمين المتطرف وزيادة مقاعدها داخل البرلمان.