الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

3 قرارات شكلت الأزمة.. خلل قاتل في تحالف الناتو

  • مشاركة :
post-title
خلل قاتل يواجه تحالف الناتو

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برزت مساعٍ لإعادة التوازن في العلاقات عبر الأطلسي، وسط جدل متصاعد حول عبء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتباينات المصالح التجارية مع الاتحاد الأوروبي.

ورغم بعض الاتفاقيات والوعود التي أُبرمت في الآونة الأخيرة، يرى مراقبون وفق مجلة "فورن أفيرز" الأمريكية، أن أساس التحالف لا يزال يعاني من خلل جوهري، وأن إعادة النظر في مبادئه الأصلية باتت ضرورة ملحة.

عبء الناتو

تشير المجلة الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة، رغم كونها واحدة من 32 عضوًا في الناتو، تتحمل 16% من ميزانيته السنوية، إضافة إلى معظم الأعباء التشغيلية واللوجستية لأمن أوروبا.

في المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي فرض حواجز جمركية وغير جمركية تقيد وصول المنتجات الأمريكية وتعرقل عمل الشركات، من الزراعة إلى التكنولوجيا.

وفور توليه المنصب، وجّه ترامب تحذيرات مباشرة لأوروبا عبر نائبه جيه دي فانس ووزير دفاعه بيت هيجسيث، حيث دعت واشنطن الأوروبيين إلى تخفيف القيود التنظيمية على مجالات مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي، وفي بروكسل، أعلن هيجسيث أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تركيز جهودها الأساسية على أمن أوروبا، ما تبعه فرض تعريفات جمركية عقابية على الاتحاد الأوروبي.

وفي يونيو الماضي، وعد الأوروبيون بزيادة إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، فيما أبرمت واشنطن وبروكسل اتفاقية تجارية في يوليو تُلزم الاتحاد بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار واستثمار 600 مليار دولار في السوق الأمريكية بحلول 2028.

نجاحات وهمية

رغم ما سبق، تعتبر المجلة أن هذه النجاحات محدودة وربما وهمية، إذ إن وعود الإنفاق الأوروبي تبقى غير مضمونة، ولا يستطيع قادة الحاضر تقييد قرارات المستقبل، كما أن الولايات المتحدة احتفظت بالمناصب القيادية في الناتو، ما يعزز التبعية المؤسسية لأوروبا.

أما اتفاقية التجارة التي أُبرمت كإطار عام في أغسطس الماضي، فما زالت غير واضحة النتائج، خصوصًا مع استمرار بروكسل في مقاومة تعديل اللوائح التي تعيق شركات التكنولوجيا الأمريكية، وترى المجلة أن مثل هذه الاتفاقيات الجزئية لا تكفي لإعادة التوازن، ما لم تتم معالجة المبادئ الأساسية للعلاقات عبر الأطلسي.

خيارات التأسيس

توضح المجلة أن جذور الأزمة تعود إلى ثلاثة قرارات مصيرية عند تأسيس الناتو، هي إعطاء الأولوية لأوروبا على حساب الأمريكتين، وإضفاء الطابع العسكري بدلًا من الاقتصادي على العلاقة، ودمج تحالف إقليمي في إطار عالمي أيديولوجي، وقد ظهرت سلبيات هذه الخيارات منذ البداية، وازدادت صعوبة مع مرور الزمن.

وترى أن إصلاح العلاقة يتطلب خطوات جوهرية، بينها إعادة تركيز السياسة الأمريكية على محيطها الإقليمي، وحصر نشاط الناتو في أوروبا الأطلسية، وتحويل العلاقة مع القارة من تعاون عسكري إلى شراكة اقتصادية وتكنولوجية.

ما بعد الحرب

خلال القرنين الأُول من تاريخها، فضّلت الولايات المتحدة سياسة خارجية شاملة تركز على نصف الكرة الغربي، تجسدت في خطابات جورج واشنطن وجيمس مونرو، وصولًا إلى ميثاق ريو عام 1947.

لكن انضمامها إلى الناتو عام 1949 مثّل تحولًا عن هذه السياسة التقليدية، إذ اعتبر صانعو القرار أن دمج أوروبا في المجال الأمريكي ضرورة لقطع الطريق أمام الاتحاد السوفيتي.

غير أن هذا التحول جاء على حساب الأمريكتين، حيث تراجعت جهود واشنطن في أمريكا اللاتينية لصالح سياسة التدخل ضد الشيوعية، وبمرور الوقت، تزايدت الخسائر الاستراتيجية في نصف الكرة الغربي، مع تصاعد نفوذ قوى أخرى في المنطقة.

الاقتصاد والأمن

أوضحت المجلة أن خطة مارشال جسّدت أولوية المشاركة الاقتصادية، لكنها كانت قصيرة الأمد، فيما أصبح العبء الأمني في أوروبا مسؤولية أمريكية دائمة.

وقد حذّر دبلوماسيون مثل جورج كينان من هذا النهج، معتبرين أن الانضمام إلى الناتو كان حلاً نفسيًا للأوروبيين أكثر منه ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة.

ورغم انهيار الاتحاد السوفيتي وانسحاب قواته، توسّع الناتو بدلًا من أن يتراجع، ما أثار رد فعل روسيًا حادًا، خصوصًا بعد وعود انضمام جورجيا وأوكرانيا عام 2008. ومع تأسيس الاتحاد الأوروبي عام 1993، تعمقت التوترات بين واشنطن وبروكسل، لتبقى العلاقة عبر الأطلسي محصورة في بعدها العسكري.

مناهضة الشيوعية

تشير المجلة إلى أن السياسة الأمريكية اتجهت سريعًا إلى العالمية، مع محاولات بناء تحالفات مناهضة للشيوعية في كل القارات، فقد ظهرت تحالفات مثل ANZUS وSEATO وCENTO لتطويق النفوذ السوفيتي، وبعد الحرب الباردة، عادت الولايات المتحدة لتصور العالم من منظور ثنائي بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية، حيث استُخدم الناتو في دعم هذا التوجه.

حتى بعد عودة ترامب، بقيت أوروبا تحاول استغلال التوتر مع روسيا والصين للحفاظ على الدور العسكري الأمريكي في القارة.

خطوات تصحيح

ترى المجلة أن أمام إدارة ترامب فرصة لإعادة صياغة العلاقة، عبر تركيزها على أوروبا فقط ومنع توسع الناتو مستقبلًا، كما ينبغي دفع الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، خصوصًا في ألمانيا وبولندا ورومانيا.

وتقترح أن تتحول العلاقة إلى تعاون اقتصادي وتكنولوجي، من خلال مؤسسات جديدة تدعم مجالات الذكاء الاصطناعي والأدوية والمعادن والفضاء والأمن السيبراني.

وتشير أيضًا إلى ضرورة تجنب أخطاء الماضي عبر الانعطاف نحو آسيا، حيث قد يورط ذلك الولايات المتحدة في صراعات مرهقة.