حذّر الجنرال تييري بوركارد، رئيس أركان الدفاع في الجيش الفرنسي، من أن الحكومات الأوروبية المنقسمة "تنكر مدى تأثير العنف على السياسة العالمية، ويجب عليها أن تكثف جهودها لتأكيد قوتها المشتركة كقوة صارمة".
وقال بوركارد، في تصريحات للنسخة الأوروبية من صحيفة "بوليتيكو" وصحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية، إن "أوروبا الضعيفة قد تجد نفسها غدًا فريسة سهلة مُنهكة، بعد قرنين من سيطرة الغرب على المشهد".
وأضاف: "لا يقتصر الأمر على القوات المسلحة فحسب، بل يتعلق أيضًا بكل ديناميكيات القوة الصلبة"، محذرًا من أن الدول الأوروبية المجزأة ستضطر إلى التعاون بشكل أقوى كقوة إستراتيجية لمواجهة "مناطق النفوذ" التي تبنيها الصين وروسيا والولايات المتحدة.
ولفتت "بوليتيكو" إلى أن تحليل الجنرال الفرنسي الذي يترك قيادة جيش بلاده التي يتولاها منذ عام 2021، نهاية أغسطس الجاري، ليحل محله جنرال القوات الجوية فابيان ماندون يعكس عددًا متزايدًا من التحذيرات بشأن ضعف أوروبا.
وفي حديثه، وصف بوركارد عالمًا محددًا بأربعة عوامل سياسية: استخدام القوة لحل الصراعات؛ والدفع من جانب دول بما في ذلك الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران لتحدي الغرب، وقوة حرب المعلومات؛ وتأثير تغير المناخ.
وقال أعلى رتبة عسكرية فرنسية، متحدثًا من مكتبه بمقر وزارة القوات المسلحة في باريس، المعروف باسم "بالارد"، إن إقامة نظام بديل غير غربي يهدد الأوروبيين أكثر من الدبابات الروسية "إذا استطاعت روسيا تحطيم أوروبا دون هجوم مسلح، فهذا هو المسار الذي ستختاره".
وأضاف: "في عالم الغد، يجب أن يكون التضامن الإستراتيجي الذي يوحد الدول الأوروبية قويًا جدًا. لا يمكن لأي دولة في أوروبا أن تكون لاعبًا رئيسيًا بمفردها"، مشيرًا إلى أن "الأمر لا يتعلق ببناء قوة ضد الولايات المتحدة أو حتى ضد روسيا، بل يتعلق بتحقيق الكتلة الحرجة اللازمة للتأثير وتجنب الخضوع للصفقات".
السياسة الدفاعية
طالما كان التحدي الذي يواجه الأوروبيين هو توحيد المواقف، لا سيّما فيما يتعلق بالسياسة الدفاعية.
ونقلت الصحيفتين عن بوركارد: "تكمن صعوبة الدفاع الأوروبي في مراعاة المصالح الإستراتيجية للدول الأوروبية ككل. لا يمتلك الإستونيون الرؤية الإستراتيجية نفسها التي يمتلكها البرتغاليون؛ ولا أحد ينكر ذلك. يجب إيجاد حل وسط".
وبالنسبة لأوكرانيا، يعد الدعم العسكري الأمريكي بالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية شرطًا مسبقًا للمشاركة في أي جهد لمراقبة اتفاق السلام المحتمل. لكن، أكد بوركارد أن "الأمريكيين يعتقدون أساسًا أن على الأوروبيين إثبات التزامهم بتحمل المسؤولية".
وأضاف: "إنها معضلة البيضة والدجاجة: بعض الدول لا ترغب في الالتزام إلا بضمانات أمريكية. لكن الأمر ليس جدلًا عسكريًا في جوهره، بل هو جدل سياسي".
العمل معًا
أكد بوركارد أن الصراع الشديد في أوكرانيا يدفع إلى إعادة التفكير العميق في كيفية عمل القوات المسلحة الغربية، إذ "انتقلنا من الحروب المختارة ـ في العراق وأفغانستان ومالي ـ إلى الحروب المفروضة"، حسب قوله.
فيما يُسميه الجنرال الفرنسي "الحروب المُختارة"، يحتفظ القادة السياسيون والعسكريون بالسيطرة على كمية الذخيرة المُستخدمة، ومدة بقاء القوات، وعدد الأفراد المُنتشرين. أما الحروب المفروضة فهي صراعات وجودية لا تُتيح مثل هذه الخيارات.
وأضاف: "إذا لم يُقاتل الأوكرانيون ببسالة تامة، فسيختفون. هذا ما تعنيه الحروب المفروضة".
هكذا، لمواجهة الواقع الجديد، جادل بوركارد بأن على القوات الغربية تنويع ترساناتها "إذا اكتفينا بتطوير أسلحة متطورة قاتلة لكنها باهظة الثمن، فلن ننجح على الأرجح"، مضيفًا أن هناك حاجة إلى أسلحة استنزاف منخفضة التكلفة.
كما ردّ الجنرال الفرنسي على الحجة القائلة بأن القوات المسلحة الفرنسية لا تستطيع الصمود إلا لبضعة أيام في صراع شديد الشدة، نظرًا لقلة مخزونات الذخيرة. وأكد أن فرنسا لن تقاتل روسيا بمفردها، بل إلى جانب حلفائها في الناتو.
وأضاف: "مخزونات ذخيرتنا ليست بالقدر الكافي لأننا ركزنا أكثر على حروب مختارة. هل يعني هذا أن القوات المسلحة الفرنسية غير قادرة على المشاركة في العمليات؟ لا. بإمكانها القيام بذلك الليلة إذا لزم الأمر".