بينما أثار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، والملياردير التقني والحليف السابق للإدارة الحالية إيلون ماسك، وغيرهما من الأصوات المؤيدة لتيار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى (MAGA)" رعب زعماء أوروبا، من خلال احتضان الأحزاب اليمينية المتطرفة في القارة، استطاعت هذه الأحزاب بعد ستة أشهر سحق منافسيها في استطلاعات الرأي، واحدًا تلو الآخر.
مع هذا، لم تبلغ الموجة الشعبوية التي تشكلت في أعقاب أزمة المهاجرين داخل القارة العجوز عام 2015 ذروتها بعد، بل إنها تتصاعد وتنتشر في جميع أنحاء أوروبا، كما يشير تقرير لموقع "أكسيوس".
في السنوات التي أعقبت أزمة اللاجئين عام 2015، دخل ملايين المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أوروبا، لذلك حتى الأحزاب المعتدلة شددت سياساتها المتعلقة بالهجرة في السنوات الأخيرة، إلا أن النقاشات حول السيادة الوطنية والهوية والأمن ازدادت حدة.
أيضا، أجّجت الأسعار المرتفعة باستمرار، وتباطؤ النمو، وعدم المساواة بعد جائحة "كوفيد- 19"، مشاعر الاستياء تجاه الأحزاب الحاكمة، وزادت الحرب في أوكرانيا ورسوم الرئيس الأمريكي ترامب الجمركية من الضغوط الاقتصادية، لا سيما في الاقتصادات المعتمدة على التصدير مثل ألمانيا.
ويشير التقرير إلى أن صعود الموجة اليمينية الأوروبية يتم بتشجيع من حكومة الولايات المتحدة، الحريصة على رؤية شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" عالميًا، وهو ما جعل الأحزاب اليمينية المتطرفة تتصدر استطلاعات الرأي في أكبر أربعة اقتصادات في أوروبا، للمرة الأولى في التاريخ الحديث.
دعم أمريكي
لأشهر عدة، نفذ مسؤولو ترامب حملات علنية لصالح اليمين المتطرف في أوروبا، سعيًا إلى تنمية صفوف الحلفاء مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وفيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري، والرئيس البولندي الجديد كارول ناوروكي.
وقبل الانتخابات الألمانية، التقى فانس مع زعيم حزب "البديل من أجل ألمانيا"، وأيد ماسك الحزب صراحة، وأدان وزير الخارجية ماركو روبيو الاستخبارات الألمانية لوصفها الحزب بأنه "منظمة متطرفة".
وصدم فانس، الذي التقى نايجل فاراج في المملكة المتحدة، المؤسسة الأوروبية عندما اتهم قادتها في فبراير بـ"الركض خوفًا" من ناخبيهم.
وكان نائب الرئيس الأمريكي أعلن في أول خطاب له حول السياسة الخارجية في مؤتمر ميونيخ للأمن: "ترتكز الديمقراطية على المبدأ المقدس المتمثل في أهمية صوت الشعب.. لا مجال للحواجز".
كما أدت الفضائح وتحقيقات الفساد والتصورات حول النخبة المنفصلة عن الواقع إلى إضعاف الثقة في الأحزاب السائدة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، حتى مع مواجهة المنظمات اليمينية المتطرفة للعديد من الفضائح الخاصة بها.
ونقل "أكسيوس" عن رحيم قاسم، المستشار السابق لنايجل فاراج ورئيس تحرير صحيفة "ذا ناشيونال بالس"، أن التوقعات بشأن الساسة الأوروبيين تغيرت بشكل جذري، مضيفًا: "كان الناس يطالبون سابقًا بهجرة صافية إيجابية مُحكمة.. لكنهم كانوا يُتجاهلون، والآن يُطالبون بترحيل جماعي".
صعود اليمين
في معظم أنحاء أوروبا، حافظت الأحزاب الرئيسية منذ فترة طويلة على ما يشبه جدار الحماية، إذ كان يتم رفض تشكيل ائتلافات أو تقاسم السلطة مع اليمين المتطرف، وبينما صمد جدار الحماية هذا في السنوات الأخيرة، لكن متانته أصبحت الآن موضع اختبار بسبب القوة المتنامية للقوى الشعبوية.
ويلفت التقرير إلى أن صعود اليمين المتطرف هو نتاج للضغوط الثقافية والاقتصادية والجيوسياسية التي تراكمت لأكثر من عقد من الزمان داخل القارة.
في ألمانيا، أظهر استطلاع جديد للرأي أُجري الأسبوع الماضي، أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AFD)، الذي تلاحقه فضائح النازية وتراقبه أجهزة الاستخبارات الألمانية للاشتباه في تطرفه، هو الحزب الأكثر شعبية في البلاد بفارق ضئيل.
وفي المملكة المتحدة، يتمتع "حزب الإصلاح" بزعامة نايجل فاراج بتقدم مزدوج الرقم على حزب العمال الحاكم وحزب المحافظين، اللذين هيمنا على السياسة البريطانية لمدة قرن من الزمان.
وفي فرنسا، يحتل حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف المركز الأول في استطلاعات الرأي، حتى مع منع زعيمته مارين لوبان من الترشح للرئاسة في عام 2027 بتهمة اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي.
أمّا في إيطاليا، تحدت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، زعيمة أول حكومة يمينية متطرفة في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، الجاذبية السياسية من خلال الحفاظ على شعبيتها النسبية بعد ثلاث سنوات من وصولها إلى السلطة، على الرغم من أنها حكمت بطريقة أكثر براجماتية مما توقعه كثيرون.
لكن في الحقيقة، لن تشهد أي من هذه البلدان انتخابات في أي وقت قريب، وهذا يعني أن استطلاعات الرأي -في الوقت الراهن- مجرد "تعكس الزخم وليس انتقالًا وشيكًا للسلطة"، كما يشير "أكسيوس".