الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

من واشنطن إلى تل أبيب.. تسريبات "معلومات سرية" تكشف هشاشة الأنظمة الأمنية

  • مشاركة :
post-title
رئيس وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

في عالم تتزايد فيه التهديدات الأمنية وتتداخل فيه المصالح الاستخباراتية، لم تعد الأخطار التي تهدد الدول الكبرى مقتصرة على الاختراقات الخارجية أو الهجمات الإلكترونية من قبل دول معادية، بل أصبحت تنبع من داخل المؤسسات نفسها.

من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وفي أقل من أسبوع واحد، برزت فضائح تسريب معلومات حساسة تُهدد الأمن القومي لكلا البلدين، ليس بسبب جواسيس أو عمليات اختراق إلكتروني، بل بسبب الإهمال الفادح لكبار المسؤولين.

تسريبات سرية عسكرية

فبين تسريبات المحادثات السرية في البيت الأبيض، والعثور على وثائق عسكرية حساسة في موقف سيارات بإسرائيل، يتجلى تشابه لافت في كيفية التعامل السطحي مع المعلومات المصنفة "سرية للغاية"، وغياب المحاسبة الفورية لمن يفترض أنهم حماة الأمن القومي.

وفي 11 مارس، وجد جيفري جولدبرج، رئيس تحرير مجلة "ذا أتلانتيك"، نفسه فجأة داخل مجموعة دردشة على تطبيق "سيجنال" تحمل اسم "المجموعة الحوثية الصغيرة"، تضم شخصيات بارزة مثل نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت بتلر، هذا الحدث، الذي كشف عنه تقرير لموقع "أكسيوس" الأمريكي، كان بمثابة دليل على مدى التراخي في التعامل مع المعلومات السرية داخل الإدارة الأمريكية.

ولم يكن دخول جولدبرج إلى هذه المحادثة نتيجة عملية قرصنة، بل بسبب خطأ إداري بسيط أدى إلى كشف خطط عسكرية حساسة. 

واستشار جولدبرج زملاءه للتأكد مما إذا كانت هذه المحادثة جزءًا من عملية تضليل استخبارية، لكنه سرعان ما أدرك أن النقاشات والمعلومات المتداولة حقيقية تمامًا.

إجراءات أمنية تقليدية

لطالما كانت بروتوكولات الأمن الأمريكية تفرض إجراءات صارمة عند مناقشة العمليات العسكرية، إذ تُجرى هذه المحادثات داخل منشآت المعلومات الحساسة والمقسمة "SCIF"، مثل غرفة العمليات في البيت الأبيض، التي تم تصميمها خصيصًا لمنع التنصت والتجسس، وحتى عندما يكون المسؤولون في مهام خارجية، يتم تجهيز منشآت متنقلة آمنة لضمان بيئة محصنة للمناقشات الأمنية.

ولكن ما حدث داخل مجموعة "سيجنال" عكس مدى الاستهانة بهذه الإجراءات، إذ إن استخدام تطبيق دردشة مشفر لا يعني بالضرورة أنه آمن تمامًا،. فالاختراقات الأمنية لا تقتصر على القرصنة الخارجية، بل قد تأتي من أخطاء بشرية مثل إضافة أشخاص غير مصرح لهم، وهو ما حدث في هذه القضية.

ولم تكن هذه الفضيحة مجرد حادثة فردية، بل تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات الأمنية التي ميزت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، فخلال ولايته الأولى، فضّل ترامب استخدام هاتفه المحمول الشخصي لإجراء مكالمات رسمية، متجاهلًا تحذيرات الخبراء الأمنيين بشأن مخاطر تعرضه للاختراق، كما وُجهت إليه اتهامات لاحقًا بالتعامل غير الآمن مع الوثائق السرية بعد مغادرته البيت الأبيض.

وثائق حساسة في موقف سيارات

على الجانب الآخر، شهدت إسرائيل واقعة خطيرة تتشابه مع الفضائح الأمنية الأمريكية، فقد عُثر على وثائق سرية للغاية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي مُلقاة في موقف سيارات بمنطقة رامات جان، إذ كانت بحوزة العميد إيريز وينر، رئيس قسم التخطيط في القيادة الجنوبية، وبدلًا من أن يكون محتفظًا بها في منشأة عسكرية آمنة، انتهى بها المطاف في أحد الأبراج المكتبية، ليعثر عليها أحد المارة.

ورغم خطورة الحادثة، لم يتخذ جيش الاحتلال أي إجراء قيادي بحق "وينر"، ما أثار تساؤلات حول كيفية تعامل المؤسسة العسكرية مع حالات مشابهة في الماضي، وما إذا كانت هناك اعتبارات سياسية تلعب دورًا في إبقاء التحقيقات معلقة.

المحاسبة غائبة

تكشف مقارنة الحادثتين الأمريكية والإسرائيلية عن تشابه كبير في التعامل مع تسريب المعلومات السرية، ففي فضيحة تسريب تفاصيل خطط عسكرية أمريكية عبر تطبيق دردشة غير آمن، ورغم خطورة الحدث، وقف ترامب مدافعًا عن مستشاره للأمن القومي مايك والتز، المسؤول عن تسريب المعلومات السرية، مؤكدًا أن الخطأ الذي وقع لم يكن جسيمًا.

وأعرب الرئيس الأمريكي، عن دعمه لمستشاره للأمن القومي، رغم الفضيحة التي أحاطت باستخدام تطبيق "سيجنال" غير المؤمّن في مناقشة خطط عسكرية سرية، وأوضح ترامب خلال مقابلة مع شبكة "NBC"، أنه لا يعتزم إقالة والتز، قائلًا: "تعلم مايكل والتز درسًا، وهو رجل طيب".

وهو الأمر الذي تكرر في إسرائيل، إذ لم يواجه إيريز وينر حتى الآن أي تحقيق رسمي من قبل الشرطة العسكرية، ولم يتم تجميد مهامه، وهو ما يزيد الشكوك حول الأسباب الحقيقية التي تحول دون محاسبة وينر، خاصة مع ورود تقارير تفيد باتصالاته مع وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش.

وفي كلتا الحالتين، سواء في واشنطن أو تل أبيب، هناك قاسم مشترك واضح هو "إهمال أمني جسيم دون مساءلة حقيقية"، فبدلًا من اتخاذ إجراءات صارمة ضد المسؤولين عن هذه الإخفاقات، يتم التهوين من خطورة التسريبات، ويتم تبريرها بكونها "أخطاء غير مقصودة".