وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المحادثات الأخيرة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بأنها "جيدة جدًا ومثمرة"، وسط تطورات متسارعة في الملف الأوكراني، تشمل مقترحًا أمريكيًا لوقف إطلاق النار لمدة 30 يومًا، وجدلًا حول مصير القوات الأوكرانية في منطقة كورسك الروسية، في الوقت الذي ارتدى فيه بوتين الزي العسكري لأول مرة منذ فترة خلال زيارته مركز قيادة العمليات في كورسك الأربعاء الماضي، قبل أن تعلن روسيا استعادة السيطرة الكاملة على بلدة سودجا، في حين يتزامن هذا مع الانسحاب الأوكراني من الأراضي الروسية بعد عملية استمرت سبعة أشهر.
محادثات "مثمرة" تمهد لهدنة
أشاد "بوتين" بجهود ترامب قائلًا خلال اجتماع مع رؤساء أجهزته الأمنية: "نعلم أن الإدارة الجديدة برئاسة الرئيس ترامب تبذل كل ما بوسعها لاستعادة ما دُمِّر من قبل الإدارة الأمريكية السابقة"، مؤكدًا أن تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بات على جدول الأعمال.
وذكرت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية أن ستيف ويتكوف، حليف ترامب المقرب ومبعوثه الخاص، عقد محادثات متأخرة مع بوتين أمس الخميس لمناقشة المقترح الأمريكي للتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار في أوكرانيا لمدة 30 يومًا.
ووافقت كييف بالفعل على هذا المقترح، بينما حدد بوتين شروطًا يجب تلبيتها قبل موافقة روسيا على الهدنة، بينها عدم قيام أوكرانيا بإعادة التسلح أو التعبئة خلال فترة الهدنة.
تضارب روايات
كتب ترامب على منصة "تروث سوشيال" أنه طلب من بوتين إنقاذ حياة "آلاف الجنود الأوكرانيين" الذين وصفهم بأنهم محاصرون من قبل الجيش الروسي، مضيفًا: "طلبت بقوة من الرئيس بوتين إنقاذ حياتهم.. ستكون هذه مذبحة فظيعة، لم نشهد مثلها منذ الحرب العالمية الثانية".
وردَّ بوتين على هذا النداء بالقول إنه سيتم تجنيب الجنود الأوكرانيين إنهاء حياتهم إذا استسلموا.
في المقابل، نفت هيئة الأركان العامة الأوكرانية وجود أي حصار للقوات، مشيرة في بيان نشرته على قنواتها الإعلامية على "تليجرام" إلى أن "التقارير عن حصار مزعوم للوحدات الأوكرانية في منطقة كورسك كاذبة وملفقة للتلاعب السياسي وممارسة الضغط على أوكرانيا وشركائها".
وتناقلت مصادر مختلفة روايات متضاربة حول الوضع، إذ وصف مايكل كوفمان، محلل عسكري في مؤسسة كارنيجي، مزاعم الحصار الجماعي بأنها "خيالية"، بينما أشارت بعض قنوات التواصل المؤيدة لروسيا إلى وجود شكوك حول صحة هذه المزاعم.
7 أشهر في كورسك
يمثل انسحاب أوكرانيا من منطقة كورسك الروسية، الذي تم على مراحل خلال الأسابيع الماضية، نهاية عملية عسكرية امتدت 7 أشهر.
خلال هذه الفترة، احتفظت أوكرانيا بجزء من الأراضي الروسية، بما في ذلك بلدة سودجا التي كان يبلغ عدد سكانها قبل الحرب نحو 5000 نسمة، في أول احتلال لأراضٍ روسية من قبل جيش أجنبي منذ الحرب العالمية الثانية.
وقال سيرهي، قائد عمليات خاصة غادر المنطقة مؤخرًا: "انسحبنا ببساطة بعد 7 أشهر.. لم يكن هناك حصار". وأضاف أن "الروس يتقدمون بالفعل نحو منطقة سومي (في أوكرانيا)، وجميع المهام الآن دفاعية".
وتباينت التقييمات داخل أوكرانيا بشأن نتائج هذه العملية، إذ رأى البعض أنها حققت العديد من أهدافها، بينما تساءل آخرون عمّا إذا كانت صرفت الانتباه عن جهود الحرب الرئيسية وكلفت أرواحًا أوكرانية دون مكاسب ملموسة.
وصرح كوفمان بأن "كورسك نقلت الصراع إلى الأراضي الروسية، واستخدمت روسيا بعضًا من أفضل وحداتها للقتال من أجلها، لكنها تطلبت أيضًا عددًا كبيرًا من وحدات النخبة الأوكرانية للحفاظ على الجيب".
في حين أعرب المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو عن مخاوفه قائلًا: "قلقي هو أن هذا يمنح الكرملين والجيش الروسي جرعة جديدة من الحماس".
استعداد زيلينسكي
من جهته، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن محاولات روسيا لوضع شروط لوقف إطلاق النار لمدة 30 يومًا "تعقد وتطيل العملية"، مضيفًا في تغريدة على منصة "إكس": "روسيا هي الطرف الوحيد الذي يريد استمرار الحرب وانهيار الدبلوماسية.. بوتين لن ينهي الحرب من تلقاء نفسه، لكن قوة أمريكا كافية لتحقيق ذلك".
وشدد زيلينسكي على التزام أوكرانيا بالحفاظ على وقف إطلاق النار، واصفًا إياه بأنه فرصة لإقامة سلام دائم.
وقال: "خلال فترة الصمت، يمكننا إعداد خطة سلام موثوقة، ووضعها على الطاولة، ومناقشة التفاصيل، وتنفيذها.. نحن مستعدون".
تفاؤل حذر
على الرغم من المؤشرات الإيجابية في المواقف الدبلوماسية، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن تقرير استخباراتي أمريكي تم تداوله بين صانعي السياسات في إدارة ترامب في 6 مارس، أن بوتين لا يزال ملتزمًا بتحقيق "هدفه الأقصى المتمثل في السيطرة على أوكرانيا" وأنه مصمم على الحفاظ على السيطرة على كييف.
من جهته، أعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن وجود "أسباب للتفاؤل الحذر" بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق.
وقال: "سندرس الموقف الروسي عن كثب وسيحدد الرئيس (ترامب) بعد ذلك الخطوات التالية.. يكفي القول إنني أعتقد أن هناك سببًا للتفاؤل الحذر. من الواضح أننا سنرى ما الذي ستفعله روسيا وغيرها.. ليست روسيا فقط، بل يجب أن يكون مقبولًا لأوكرانيا أيضًا".