في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العدالة الدولية، ألقت الشرطة الفلبينية القبض على الرئيس السابق رودريجو دوتيرتي فور عودته إلى مانيلا من هونج كونج في 11 مارس الجاري، بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
ووفقًا لتقرير صادر عن "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" الأمريكي، تتهم مذكرة التوقيف دوتيرتي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى عمليات قتل "واسعة النطاق وممنهجة" خلال فترة رئاسته، الأمر الذي طرح تساؤلات واسعة حول مدى قدرة العدالة الدولية على محاسبة قادة الدول، ومدى تأثير الجغرافيا السياسية على تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية.
سابقة تاريخية
لم يكن دوتيرتي أول رئيس دولة يواجه اتهامات من المحكمة الجنائية الدولية، لكنه يعد الأول الذي يتم اعتقاله بموجب مذكرة صادرة عن المحكمة، إذ سبق للمحكمة أن أصدرت مذكرات توقيف بحق عدد من القادة، بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتهم تتعلق بالترحيل القسري للأطفال من أوكرانيا.
كما أدانت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب الانتهاكات المرتكبة في قطاع غزة، وأيضًا الرئيس السوداني السابق عمر البشير، بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور، كما أدانت زعيم المجلس العسكري في ميانمار مين أونج هلاينج، على خلفية القمع الوحشي لأقلية الروهينجا.
لكن على الرغم من صدور هذه المذكرات، لم يتم اعتقال أي من هؤلاء القادة، ما يثير تساؤلات حول فعالية المحكمة الجنائية الدولية ومدى قدرتها على فرض قراراتها في ظل تعقيدات السياسة الدولية.
تحديات تواجه التنفيذ
في عام 2023، وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى الرئيس الروسي، متهمة إياه بالمسؤولية عن الترحيل غير القانوني للأطفال الأوكرانيين خلال الحرب مع أوكرانيا.
وبموجب نظام المحكمة، يُطلب من الدول الأطراف اعتقال المتهمين عند دخولهم أراضيها، إلا أن روسيا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، ما سمح لبوتين بالتحرك بحرية في الدول غير الأعضاء.
كان الاستثناء البارز لهذه القيود هو زيارته منغوليا في سبتمبر 2024، حيث أعلنت حكومتها حيادها السياسي بعد مغادرته، مؤكدة في الوقت ذاته أنها تعتمد على روسيا في مجال الطاقة، وهو ما قد يفسر سبب عدم تنفيذ مذكرة التوقيف بحقه.
نتنياهو والمظلة الأمريكية
في نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الانتهاكات في قطاع غزة، غير أن الولايات المتحدة -التي لا تعترف بسلطة المحكمة- سارعت إلى الدفاع عنه عبر فرض عقوبات على المدعي العام للمحكمة كريم خان، كما اقترح الكونجرس الأمريكي تشريعًا يفرض عقوبات على أي دولة أو فرد يتعاون مع المحكمة في اعتقال مسؤولين إسرائيليين.
وأيضًا، تم توجيه اتهامات إلى الرئيس السوداني السابق عمر البشير في عامي 2009 و2010، لكنه تمكن من السفر بحرية نسبيًا حتى أطيح به في انتفاضة شعبية عام 2019، وأبرز مثال على ذلك كان زيارته جنوب إفريقيا في 2015، حيث رفضت الحكومة هناك تنفيذ مذكرة التوقيف، على الرغم من الضغوط الدولية، وعكس هذا الرفض موقف الاتحاد الإفريقي، الذي أعرب عن اعتراضه على ما وصفه بـ"التحيز ضد القادة الأفارقة" في المحكمة الجنائية الدولية.
اعتقال دوتيرتي نقطة تحول
رغم أن العديد من القادة أفلتوا من الاعتقال لسنوات، إلا أن القبض على دوتيرتي يشير إلى أن التغيرات السياسية المحلية قد تلعب دورًا محوريًا في تنفيذ مذكرات التوقيف الدولية.
ووفقًا لمحللين في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، جاء قرار الحكومة الفلبينية بالامتثال لأمر الاعتقال بعد تدهور العلاقات بين الرئيس الحالي ماركوس جونيور وعائلة دوتيرتي، ما جعل الامتثال للمحكمة الجنائية الدولية خيارًا سياسيًا محليًا أيضًا.
ولا تزال المحكمة الجنائية الدولية تفتقر إلى الوسائل التنفيذية التي تجبر الدول على التعاون معها، ووفقًا لدراسة أجراها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، فإن الخيارات المتاحة لضمان الامتثال تشمل الإحالة إلى جمعية الدول الأطراف، إذ يمكن للدول الأعضاء فرض إجراءات دبلوماسية أو حتى اقتصادية على الدول التي ترفض التعاون.
كذلك اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، رغم أن هذه الخطوة تواجه عقبات كبيرة بسبب حق النقض "فيتو" الذي قد تستخدمه الدول الكبرى، وأيضًا ممارسة الضغوط الدبلوماسية عبر إقناع الحلفاء بعدم توفير الحماية للقادة المتهمين بجرائم الحرب.
عدالة في مواجهة السياسة الدولية
يشير خبراء "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" إلى أن المحاكمات الدولية غالبًا ما تعتمد على التغيرات السياسية أكثر من أي آليات قانونية، فمثلما تم تقديم الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش للمحاكمة بعد انتفاضة أطاحت به، فإن اعتقال دوتيرتي قد يكون نتيجة لصراعات داخلية في الفلبين أكثر من كونه انتصارًا مطلقًا للعدالة الدولية.
ويعد اعتقال دوتيرتي تطورًا استثنائيًا في تاريخ العدالة الجنائية الدولية، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع القادة المتهمين سيواجهون المصير ذاته، فبين التوازنات الجيوسياسية والتحديات القانونية، تظل العدالة الدولية رهينة للواقع السياسي.