في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات التي تشكّل المستقبل الصناعي والاقتصادي للدول الكبرى. وفي قلب هذا التحول، تبرز الصين كداعم رئيسي لهذه الثورة الرقمية، حيث تشهد البلاد تقدمًا لافتًا في مجال الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يحتل مكانة محورية في خططها التنموية.
ومن أجل الحفاظ على مكانتها الريادية في مجال الذكاء الاصطناعي، فرضت الحكومة الأمريكية قيودًا صارمة على تصدير شرائح وتقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة إلى الصين. هذه الإجراءات تهدف إلى الحد من تقدم الصين في مجالات مثل التكنولوجيا العسكرية، وفي الوقت نفسه تهدف إلى الحفاظ على التفوق الأمريكي في هذا المجال.
خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد خلال الدورة الثالثة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب الصيني تم التطرق إلى التقدم الكبير الذي حققته الصين في مجال الذكاء الاصطناعي(AI). وتم تسليط الضوء على الإنجازات الملحوظة لشركة "ديب سيك" التي تُعد من بين الشركات الرائدة في هذا المجال.
وأكد المتحدثون أن الفريق الرئيسي المكون من شباب وشابات من مختلف الأعمار يقودون التطور في قطاع التكنولوجيا في الصين، وهو ما يعتبر خطوة مهمة نحو تقدم الصين في هذا المجال، حسبما ذكرت صحيفة "بكين ديلي" الصينية.
كما تم خلال المؤتمر الحديث عن الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وقد أثار الذكاء الاصطناعي نقاشات واسعة على مستوى العالم، من الروبوتات البشرية التي تؤدي الرقصات التقليدية في "الربيع ليلة السنة الجديدة" إلى الطائرات بدون طيار التي تزين السماء بـ"الألعاب النارية الإلكترونية".
وقد تم التأكيد على الأثر الكبير للذكاء الاصطناعي وإمكاناته في إعادة تشكيل الإنتاجية والابتكار في مختلف الصناعات.
الطائر الرائد
يُعتبر الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسية للثورة التكنولوجية والتحول الصناعي الجديد، حيث يمتلك تأثيرًا قويًا يشبه "الطائر الرائد" على حد تعبير صحيفة "جلوبال تايمز" يقود التغيير في العديد من المجالات.
وبدورها سارعت الصين في تبني الذكاء الاصطناعي، حيث وضعت خطة "تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل الجديد" في عام 2017، التي ركزت على تعزيز قدرة الصين في الابتكار التكنولوجي في هذا المجال، وركزت على تطوير البحث والتطبيقات الصناعية في الذكاء الاصطناعي.
وفي السنوات الأخيرة، حققت الصين إنجازات بارزة في هذا المجال، حيث أصبحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من بين أهم القوى الإنتاجية الجديدة في الصين.
على سبيل المثال، من بين 189 "مصنع منارة" عالميًا، تمتلك الصين 79 منها، وهو ما يعكس النجاح الكبير للصين في تطبيق التكنولوجيا الحديثة في العديد من الصناعات التقليدية مثل صناعة الصلب والأغذية. كما أن الصين تمتلك أكثر من نصف عدد الروبوتات الصناعية في العالم.
وفي كلمة له، أشار الرئيس الصيني شي جين بينج إلى أهمية دمج الذكاء الاصطناعي في تحسين حياة الناس، مؤكدًا ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي في جوانب الحياة اليومية مثل العمل والتعليم، ما يعزز أسلوب الحياة الذكي ويحقق رفاهية أكبر للمواطنين.
وترى صحيفة "الشعب" اليومية الصينية، أن الذكاء الاصطناعي يتغلغل في حياتنا اليومية من خلال تطبيقات مختلفة مثل رعاية كبار السن الذكية، والرعاية الصحية الذكية، والمدن الذكية. وقد أصبح مفهوم "الذكاء الاصطناعي +" جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في الصين.
إمكانيات عديدة
تشير التجارب إلى أن الذكاء الاصطناعي يقدم إمكانات كبيرة في العديد من المجالات مثل التعليم، والرعاية الصحية، والرياضة، والنقل، ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة. كما تم تضمين "الذكاء الاصطناعي +" في تقرير العمل الحكومي لعام 2024، وتم التأكيد على أهمية هذا المفهوم في المؤتمر الاقتصادي المركزي في ديسمبر 2024، وهو ما يعكس التزام الحكومة الصينية في دفع عجلة التقدم في هذا المجال.
وتشهد الصناعات الناشئة في الصين نموًا كبيرًا، حيث تتسارع جهود التحول في القطاعات المختلفة مثل النقل الحضري. ففي حديثه عن حل مشكلات الازدحام المروري، أشار الأكاديمي الصيني الشهير وانغ جيان إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين حركة المرور بشكل كبير من خلال جمع وتحليل بيانات حركة السيارات. وأكد أن "مدن المستقبل ستكون أكبر بيئات لتطبيق الذكاء الاصطناعي".
ويشير الخبراء إلى أن "الذكاء الاصطناعي+" يمثل نمطًا جديدًا من القوى الإنتاجية، مع إمكانات واسعة في قطاعات مثل الصناعة، والطاقة، والإدارة الحكومية، والسياحة الثقافية. وتعد هذه التقنيات المتطورة محركًا رئيسيًا نحو مستقبل اقتصادي يعتمد على الابتكار والجودة.
وتستمر الصين في المضي قدمًا نحو تطوير هذه القوى الإنتاجية الجديدة، مع التأكيد على أن المستقبل يحمل فرصًا واعدة في ظل هذا التحول التكنولوجي السريع.