بعد أربعة عشر يومًا اختتم معرض القاهرة الدولي للكتاب فعالياته المختلفة في دورته الـ56، واكتسب المعرض في هذه الدورة زخمًا كبيرًا من جميع الاتجاهات، إذ قُدر عدد زوار المعرض بنحو 5.5 مليون زائر، وهو الأمر الذي يوضح التأثير الكبير الذي أحدثه خلال هذه الدورة.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على المكاسب الاقتصادية والثقافية من معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ56.
ثقل واضح
خلال فترة الدورة الـ56 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، تبين عدد من النقاط المهمة، التي سيتم توضيحها فيما يلي:
(*) إقبال جماهيري كبير: شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ56 عددًا غير مسبوق من الزائرين، فكما يوضح شكل (1) ارتفع عدد الزوار من 4.78 مليون زائر في الدورة الـ55 إلى نحو 5.5 مليون زائر، وهو الأمر الذي يوضح الزخم الكبير في التوجه نحو المعرض، وتدل هذه الأرقام على مدى نجاح المعرض في تحقيق أهدافه، فالهدف الأساسي منه هو إنعاش الحياة الثقافية داخل المجتمع، ومع توافد هذه الأعداد يتضح الاهتمام الثقافي الكبير من قبل الفئات المختلفة.
(*) تعزيز المنصات الرقمية: أطلقت الهيئة العامة لقصور الثقافة، تطبيقًا رقميًا أُطلق عليه "توت"، إذ يقدم هذا التطبيق تجربة ثقافية تُتيح للجمهور الوصول إلى محتوى أدبي وثقافي متنوع، كما أصدرت الهيئة نحو 15 كتابًا صوتيًا بتطبيق "توت" مجانًا للأطفال، وإضافة إلى ذلك أتاحت وزارة الثقافة المصرية على موقعها الرسمي خدمة "الجولة الافتراضية"، التي مكَنت زوار الموقع من التعرف على الجوانب المتعدد من المعرض قبل زيارته، وهو الأمر الذي يأتي ضمن أُطر تحديث المعرض في كل دورة، بما يتواكب مع مستحدثات العصر وتوجهات الدولة المصرية نحو الرقمنة.
(*) التواجد الدولي الواضح: شارك في معرض الكتاب 80 دولة مختلفة، إذ استضاف مجموعة من الدول العربية مثل الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان (ضيف شرف المعرض) والأردن ولبنان والعراق وسوريا والسودان وليبيا والمغرب والجزائر وفلسطين، هذا بجانب عدد من الدول الإفريقية مثل نيجيريا وكينيا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا والسنغال، وهو الأمر الذي يُشير إلى أن المعرض أوضح صورة من التكامل العربي الإفريقي في صناعة الثقافة.
(*) تسهيلات متعددة: قدمت الدولة المصرية تسهيلات كبيرة أمام من يرغب في زيارة المعرض، إذ تم تخصيص أتوبيسات النقل العام ومجموعة من الأتوبيسات المُتخصصة؛ لنقل المواطنين إلى المعرض، وهو الأمر الذي ساعد على توافد الزوار من جميع أنحاء الجمهورية، إضافة إلى ذلك أتاحت سعر تذكرة مخفض لدخول المعرض بقيمة 5 جنيهات.
عوائد مُكتسبة
يترتب على معرض القاهرة الدولي للكتاب العديد من العوائد الإيجابية، التي تتمثل في الآتي:
أولًا: العوائد الاقتصادية
(-) تحفيز الاقتصاد القومي: يعمل معرض القاهرة الدولي للكتاب على تحفيز الاقتصاد المصري، من خلال جذب أعداد كبيرة من السياح والزوار، فالمعرض لم يقتصر على المواطنين المصريين، بل تنوعت الجنسيات التي زارته، إذ استقطب المعرض مُحبي القراءة من مختلف أنحاء العالم، وهو الأمر الذي يعود بالإيجاب على حركة السياحة داخل الدولة المصرية، إضافة إلى ذلك يترتب على تواجد الجنسيات المتعددة انتعاش الطلب المحلي ورواج الأسواق، فضلًا عن استقطاب المزيد من العملة الصعبة، وهو ما يُحسن ميزان المدفوعات.
(-) زيادة الإيرادات: هناك علاقة طردية بين الإقبال الكبير على معرض القاهرة الدولي للكتاب وبين زيادة الإيرادات العامة للدولة، ففي ظل أن سعر التذكرة على المعرض قُدر بـ5 جنيهات، ارتفعت إيرادات المعرض من 23.93 مليون جنيه في الدورة الـ 55 إلى 27.74 مليون جنيه في الدورة الـ 56، أي ارتفعت إيرادات رسوم الزوار بنسبة 15.92%، وهذا الارتفاع في الإيرادات يعكس نجاح الدولة المصرية في تنظيم المعرض بشكل يجذب الزوار من مختلف الأنحاء.
وفي السياق ذاته، ذهبت التوقعات إلى أن يصل حجم سوق الكتب في مصر إلى 83.62 مليون دولار أمريكي في نهاية عام 2025، كما أنه من المتوقع أن يصل عدد القراء إلى 25.3 مليون، بحلول عام 2029، وهو الأمر الذي يدعمه إقامة المعرض بشكل دوري، ويعود بالإيجاب على الاقتصاد المصري.
(-) تخفيض معدلات البطالة: تشجيع الشباب على المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، من خلال عرض إصداراتهم، يُحفز من صناعة الكتب داخل الدولة، فهذه الصناعة توظف عددًا كبيرًا من الشباب، إذ إنه بالنظر إلى العدد الكبير من المطابع في مصر، يُمكن تقدير إجمالي العاملين في قطاع الطباعة فقط بعشرات الآلاف، ومن ناحية أخرى فإن تدشين المعرض بهذه الضخامة يعمل على توفير العديد من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وهو الأمر الذي ينتج عنه في النهاية تخفيض معدلات البطالة.
(-) نمو الصناعات الثقافية: عرض الإصدارات المتنوعة داخل معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتشجيع الناشرين المختلفين على عرض منتجاتهم، يُسهم في نمو الصناعات الثقافية، فهذه الصناعات تُسهم في تحقيق النمو داخل العديد من الاقتصاديات، وفي الاقتصاد المصري تُسهم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي من المُحتمل زيادتها بشكل كبير بعد معرض القاهرة الدولي للكتاب، كما تُحقق نحو 756 مليار دولار في الناتج المحلي الأمريكي، و575 مليار دولار للناتج القومي الصيني، وعلى هذا الأساس تسهم هذه الصناعة بنسبة تُقدر بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما جعل العديد من الدول تسعى إلى تعزيز هذا القطاع، نظرًا لدوره في تنويع مصادر الدخل وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
(-) إبراز الفرص الاستثمارية: التواجد الدولي الكبير الذي أتاحه معرض القاهرة للكتاب في دورته الـ56، يمنح إمكانية كبيرة أمام فحص هذه الدول للفرص الاستثمارية داخل الدولة المصرية، فقد شهد المعرض ندوة بعنوان "مستقبل الاقتصاد في المجال الرياضي"، وهو الأمر الذي يوضح أن هذا المعرض وفر فرصة كبيرة أمام الدول المختلفة، للتعرف على إمكانيات الاقتصاد المصري، والمجالات التي تحتاج إلى ضخ استثمارات.
ثانيًا: العوائد الثقافية
(-) ارتفاع الوعي العام: التيسيرات التي قدمتها الدولة المصرية في سبيل إنجاح هذا المعرض، وتشجيع عدد كبير من المواطنين على زيارته، تُسهم في زيادة الوعي العام بين جموع الشعب، وهو الأمر الذي يُعد أساسًا لأي عملية تنموية، فالتنمية الاقتصادية الحقيقية تتطلب مواطنًا واعيًا قادرًا وراغبًا في إحداث التغيير الإيجابي داخل دولته، ما سيعود على استقرار المجتمع والاقتصاد.
(-) تبادل الثقافات: وفر معرض القاهرة الدولي للكتاب فرصة كبيرة لتبادل الثقافات بين مصر والعالم العربي، ومصر والدول الأجنبية، فوجود 80 دولة مشاركة داخل المعرض، مكن الزوار من الاختيار من عدد متنوع من الثقافات، وهو الأمر الذي يُسهم في إحداث التبادل الثقافي الكبير، الذي يُعتبر من الأواصر المهمة للتعاون السياسي الإيجابي بين الدول.
(-) تعزيز الهوية: عمل المعرض على تعزيز القيم الثقافية العربية، وتعزيز الهوية الثقافية المصرية، فوجود عدد كبير من الكتب التي تعمل على غرس هذه القيم داخل نفوس الشباب، زاد من وطينتهم بشكل كبير، كما أن المعرض أطلق ندوة بعنوان" ثوابت الشخصية المصرية" في اليوم الثالث من دورته، بالتعاون مع الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، إذ أكدت الندوة ضرورة التواصل الفعّال والتفاوض الذكي، وهو الأمر الذي حقق صدى إيجابيًا كبيرًا لدى زوار المعرض من الفئات المختلفة.
وعليه، يُمكن القول إن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ56 كان حدثًا ثقافيًا وأدبيًا ضخمًا، جمع بين الناشرين والمؤلفين والزوار من جميع أنحاء العالم، وهو الأمر الذي يُعزز من الصناعات الثقافية داخل الدولة المصرية، فالمعرض يدعم بناء مجتمع أكثر اطلاعًا وابتكارًا، ومن ناحية أخرى للمعرض تأثير اقتصادي كبير على الدولة المصرية، من حيث تنشيط معدلات السياحة وتعزيز النشر في مصر والعالم العربي وتوفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، كما أنه عزز التفاعل الاقتصادي بين الدول المختلفة، وهو الأمر الذي يعود على الاقتصاد المصري بالعديد من الفوائد الإيجابية.