في خضم التوترات التجارية العالمية المتصاعدة، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقف حرج يتطلب موازنة دقيقة بين علاقاته مع الولايات المتحدة والصين، في هذا الصدد كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية عن مساعٍ أوروبية متزايدة لاسترضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من خلال تشديد موقفها تجاه بكين، في خطوة قد تعرض وحدة الاتحاد للخطر وتقوض مصداقيته في المفاوضات المستقبلية.
التهديدات الأمريكية وتداعياتها على العلاقات الدولية
أفادت بوليتيكو أن ترامب أطلق سلسلة من التهديدات التجارية الحادة، بدأها بالتلويح بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على المكسيك وكندا، ورغم تراجعه عن هذه التهديدات بعد حصوله على تنازلات تتعلق بقضايا الحدود، إلا أنه سرعان ما وجه أنظاره نحو الصين، مهددًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على بضائعها.
هذه التحركات أثارت قلقًا عميقًا في أوروبا، خاصة بعد وصف ترامب للاتحاد الأوروبي بالـ"فظاعة" في مجال التجارة، مما يشير إلى احتمال أن يكون التكتل الأوروبي الهدف التالي في حربه التجارية العالمية.
المعضلة الأوروبية وتعقيدات العلاقة مع بكين
كشف بوليتيكو عن تعقيدات غير مسبوقة في العلاقات الأوروبية-الصينية، إذ إن بكين تمثل ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة، بحجم تبادل تجاري وصل إلى 739 مليار يورو في عام 2023.
تستحوذ ألمانيا وحدها على حصة الأسد من هذا التبادل بقيمة 250 مليار يورو، مما يجعل برلين في موقف حساس للغاية.
وقد تجلى هذا التعقيد بوضوح عندما قادت ألمانيا تحالفًا من الدول ذات الروابط الصناعية القوية مع الصين في محاولة فاشلة لمنع فرض رسوم على السيارات الكهربائية الصينية العام الماضي.
انقسامات عميقة وتحديات الموقف الموحد
تبرز التباينات الحادة في مواقف الدول الأعضاء تجاه الصين كتحدٍ رئيسي أمام صياغة سياسة أوروبية موحدة، فبينما تعاني ليتوانيا من مقاطعة صينية بسبب علاقاتها مع تايوان، تحافظ دول أخرى مثل ألمانيا على علاقات اقتصادية وثيقة مع بكين.
وفي هذا السياق، تنقل بوليتيكو عن أجاث ديمارايس، كبيرة الباحثين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تحذيرها من أن محاولة استرضاء ترامب عبر مواجهة الصين قد تكون "خطأً استراتيجيًا فادحًا".
وتؤكد ديمارايس أن التباين الكبير في مواقف الدول الأعضاء يجعل من المستحيل عمليًا تبني إجراءات قوية كفاية لإرضاء ترامب.
مستقبل العلاقات الثلاثية وسيناريوهات المواجهة
تختتم بوليتيكو برؤية استشرافية للمستقبل، إذ ينقل عن فرانسوا جودمان، الباحث المقيم في معهد مونتين الباريسي، نصيحته للاتحاد الأوروبي بتجنب المواجهة المباشرة مع الصين.
ويشدد جودمان على ضرورة "الحفاظ على الهدوء مع بناء إجراءات مضادة" بدلاً من الانجرار إلى معركة إعلامية، محذرًا بشكل خاص من تأثير إيلون ماسك، حليف ترامب ومالك منصة إكس، في تشكيل الخطاب العام.